
الدكتور عبد الحي السملالي
إلى السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية،
نكتب إليكم اليوم، لا بدافع النقد العابر، بل بدافع القلق المسؤول على ما يمكن تسميته بـ”السيادة الروحية” للمغرب في أوروبا. فما يجري لم يعد يحتمل الاكتفاء بالتقارير الروتينية أو الخطابات المطمئنة. النموذج المغربي في التدين، الذي ظل لعقود صمام أمان ومرجعية في الوسطية والاعتدال، يواجه خطر التراجع؛ ليس فقط لقوة الفاعلين الآخرين، بل أيضاً بسبب غياب غير مفهوم عن معترك التحولات الكبرى التي يشهدها الفضاء الأوروبي.
بينما نغيب… يتحرك الآخرون
في الوقت الذي تنكفئ فيه بعض مؤسساتنا الرسمية على ذاتها، يتحرك فاعلون آخرون بذكاء استراتيجي لافت: حضور إعلامي وازن في القنوات الفرنسية الكبرى، مؤلفات جماعية، مؤتمرات داخل مؤسسات الدولة، وإعادة تشكيل للخطاب الديني بلغة قانونية ومواطنية معاصرة.
في المقابل، ما زلنا نخاطب مغاربة العالم بلغة تقليدية وأدوات تجاوزها الزمن، لا تلامس أسئلة الهوية والمواطنة والاندماج التي تؤرق الأجيال الجديدة في أوروبا.
المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة، الذي يُفترض أن يكون ذراعاً علمية مؤثرة، يعيش حالة انفصال شبه تام عن التحولات الجارية؛ خطاب لا يتجاوز القاعات المغلقة، ولا يجد صداه في الفضاء العام، ولا يحضر في النقاشات الكبرى حول موقع الإسلام في المجتمعات الأوروبية.
الفراغ المغربي… والنفوذ الذي يتمدد
نحن اليوم أمام مشروع نفوذ ديني متدرج يتقدم بثبات، يقوم على:
- حضور إعلامي مكثف يقابله صمت مغربي شبه مطبق.
- بناء تحالفات عابرة للحدود.
- خطاب مكيّف مع لغة الدولة الوطنية الأوروبية.
- استثمار الفراغ التنظيمي الذي تركناه خلفنا.
ومن يترك الساحة فارغة، لا يلومنّ إلا نفسه إن وجد أن مكانه قد شُغل وصوته قد خفت.
غير أن الأخطر من ذلك كله، أن هذا التمدد يجري فوق أرض ذات جذور مغربية عميقة.
مسجد باريس… ذاكرة مؤسسة لا ينبغي أن تُختزل
في قلب الحي الخامس بباريس، يقف مسجد باريس الكبير، ليس كمعلم ديني فحسب، بل كرمز لذاكرة مشتركة وتاريخ طويل من الروابط الروحية بين المغرب وفرنسا.
عند العودة إلى الأرشيف الصحفي، نجد في عدد جريدة الوطن المغربية بتاريخ 15 يناير 1999 عنواناً لافتاً:
“مسجد باريس بناه السلطان مولاي يوسف واستحوذت عليه الجزائر”.
لسنا هنا بصدد اتهام، بل بصدد تذكير بتاريخ موثق.
في سنة 1920، أصدرت فرنسا قانوناً استثنائياً لتمويل بناء المسجد تكريماً للجنود المسلمين. غير أن التنفيذ حمل بصمة مغربية واضحة:
- السلطان مولاي يوسف وضع حجر الأساس ودشّن المسجد سنة 1926.
- الزخارف والزليج جُلبت من فاس.
- العمال قدموا من المغرب.
- الخطبة الأولى ألقاها العالم المغربي أحمد سكيرج.
- ساهمت جمعية الحبوس المغربية في التمويل.
فهل يُعقل أن تُختزل الذاكرة المؤسسة للمسجد في سردية أحادية تُغيب المكوّن المغربي الذي كان جزءاً أصيلاً من لحظة التأسيس؟
الجالية المغربية… فاعل لا مجرد حضور عددي
في عدد الوطن بتاريخ 14 يناير 1998، صرّح رئيس الفدرالية العامة لمسلمي فرنسا:
“كسبنا العديد من القضايا أمام المحاكم الفرنسية، أهمها قضية الحجاب”.
هذا التصريح يؤكد أن المغاربة لم يكونوا مجرد جالية عددية، بل فاعلاً قانونياً واجتماعياً وسياسياً مؤثراً في تشكل الحضور الإسلامي بفرنسا.
فكيف يُعاد اليوم تشكيل هوية بعض المؤسسات الدينية الكبرى دون استحضار هذا الامتداد التاريخي؟
السيد الوزير… هذه لحظة مراجعة
ما يحدث ليس مجرد تقصير إداري عابر، بل مؤشر على تحوّل عميق في موازين التأثير. والسيادة الروحية ليست شأناً رمزياً فحسب، بل رافعة من روافع الأمن الثقافي والاستقرار المجتمعي.
التفريط فيها تفريط في رصيد رمزي بنيناه عبر قرون من الاجتهاد والاعتدال والارتباط الروحي العابر للحدود.
مطالب المرحلة
مراجعة عميقة في تمثيلية المغرب الدينية بأوروبا، بما يضمن الكفاءة والحضور الفعلي في الفضاء العام.
تجديد الخطاب، بالانتقال من الوعظ التقليدي إلى خطاب تواصلي قانوني ومواطناتي يخاطب السياق الأوروبي بلغته وأدواته.
تحرك مؤسساتي أكثر فاعلية لحماية النموذج المغربي من التآكل في ظل التحولات المتسارعة.
ختاما
المشهد الديني في أوروبا يُعاد تشكيله الآن.
والتاريخ لا يرحم الغائبين.
استعادة الحضور الرمزي والمعنوي في المؤسسات ذات الجذور المغربية، عبر التاريخ والشرعية والذاكرة، لا عبر الصراع أو التصعيد.
فإما أن نستعيد ريادتنا بأدوات جديدة ورؤية استراتيجية واضحة،
وإما أن نقبل بتراجع “الاستثناء المغربي” في القارة العجوز.
