بقلم : فيصل دومكسا
ليست تيزنيت مجرد مدينة في الجنوب المغربي، بل هي ذاكرة حية تنبض بصوت المطرقة على الفضة، وبخيوط النسيج التي تحكي قصص الأرض والإنسان. لقد ارتبط اسم تيزنيت عبر عقود طويلة بالحلي الفضية الأمازيغية وبحرف يدوية أصيلة شكّلت مصدر رزق لآلاف الأسر، كما شكّلت هوية ثقافية متجذرة في الوجدان المحلي والوطني. هذه الهوية ليست ترفاً ثقافياً، بل ركيزة اقتصادية واجتماعية تستحق الحماية والدعم.
هوية اقتصادية قبل أن تكون تراثاً
صناعة الفضة والمجوهرات التقليدية، إلى جانب الخياطة والنسيج المحلي وصناعة المنتوجات اليدوية المختلفة بإقليم تيزنيت، تمثل قطاعاً حيوياً قائماً بذاته. فهي تشغل اليد العاملة، وتدعم السياحة، وتعزز صورة المغرب في الداخل والخارج. غير أن هذا القطاع يواجه تحديات حقيقية تهدد استمراريته، في ظل المنافسة غير العادلة، وارتفاع تكاليف المواد الأولية، وضعف الولوج إلى الأسواق الكبرى.
إن الحفاظ على تراث تيزنيت ليس مجرد حفاظ على الماضي، بل هو استثمار في المستقبل. فالحرفي الذي يصون نقشاً قديماً على قطعة فضة، إنما يحافظ على هوية جماعية، ويخلق في الوقت ذاته قيمة مضافة يمكن أن تنافس في الأسواق الوطنية والدولية.
دعم الحرفيين الصغار: ضرورة ملحّة
الحرفيون الصغار هم العمود الفقري لهذا القطاع. ومع ذلك، فهم غالباً ما يشتغلون في ظروف هشة، دون حماية اجتماعية كافية، ودون تحفيزات ضريبية تشجعهم على الاستمرار والتطوير.
من هنا، يصبح من الضروري:
- إعفاء الحرفيين الصغار من الضرائب، أو على الأقل رفع سقف الإعفاء بشكل ملموس.
- تبسيط المساطر الإدارية التي تثقل كاهلهم.
- تمكينهم من ضمان اجتماعي مجاني أو مدعوم بالكامل، يضمن لهم التغطية الصحية والتقاعد.
هذه الإجراءات ليست امتيازات، بل أدوات لحماية قطاع تقليدي مهدد بالاندثار إن تُرك لمصيره في ظل اقتصاد تنافسي معولم.
فتح أسواق جديدة… الجالية المغربية رافعة حقيقية
تمثل الجالية المغربية في أوروبا فرصة استراتيجية لترويج منتوجات تيزنيت. فالمغاربة المقيمون بالخارج يرتبطون وجدانياً بالمنتوج التقليدي، ويبحثون عن قطع أصلية تعكس هويتهم الثقافية.
ينبغي العمل على:
- تنظيم معارض دورية للمنتوجات الحرفية في الدول الأوروبية.
- إنشاء منصات رقمية احترافية لتسويق منتوجات الحرفيين مباشرة.
- تسهيل إجراءات التصدير للحرفيين الصغار عبر تعاونيات أو اتحادات مهنية.
إن تسويق الفضة الأمازيغية والنسيج المحلي خارجياً لا يخدم الحرفي فقط، بل يعزز صورة المغرب كبلد غني بتراثه وإبداعه.
الإكراهات التي تواجه الحرفيين
رغم القيمة الرمزية والاقتصادية للحرف، يواجه الحرفيون عدة إكراهات، من أبرزها:
- ارتفاع أسعار الفضة والمواد الأولية.
- انتشار المنتجات المقلدة التي تضر بسمعة المنتوج المحلي.
- ضعف التكوين المستمر ومواكبة التطور في التصميم والتسويق.
- صعوبة الولوج إلى التمويل البنكي.
- غياب فضاءات عرض وتسويق منظمة ومستدامة.
هذه التحديات تجعل العديد من الشباب يعزفون عن تعلم الحرفة، ما يهدد بانقطاع السلسلة بين الأجيال.
النساء الحرفيات… عطاء مضاعف وتحديات أكبر
تلعب النساء دوراً محورياً في النسيج والخياطة والصناعات اليدوية المختلفة بإقليم تيزنيت. ومع ذلك، فهن يواجهن صعوبات إضافية:
- العمل من المنازل دون اعتراف رسمي أو حماية اجتماعية.
- ضعف الولوج إلى التمويل والتكوين.
- محدودية فرص التسويق المباشر.
- التوفيق الصعب بين العمل والمسؤوليات الأسرية.
إن تمكين النساء الحرفيات من التغطية الاجتماعية المجانية، وتسهيل ولوجهن إلى التعاونيات والأسواق، وتوفير فضاءات عرض خاصة بهن، يشكل خطوة أساسية نحو تنمية عادلة ومستدامة.
بين الحقوق والواجبات
كما أن للحرفيين حقوقاً مشروعة في الدعم والحماية، فإن عليهم أيضاً واجبات، من بينها:
- الحفاظ على جودة المنتوج واحترام معايير الأصالة.
- تطوير مهاراتهم والانفتاح على التكوين.
- العمل في إطار قانوني منظم يضمن الشفافية.
العلاقة بين الدولة والحرفي يجب أن تقوم على شراكة متوازنة: دعم مقابل التزام، وتحفيز مقابل جودة.
من أجل استدامة التراث والاستثمار فيه
الهدف الأسمى هو الحفاظ على الاستثمار في التراث وضمان استمرارية الحرفيين، حتى تبقى المنتجات المحلية حاضرة بقوة وطنياً ودولياً.
تيزنيت قادرة على أن تكون نموذجاً وطنياً في تثمين الحرف التقليدية، إذا ما توفرت الإرادة والسياسات العمومية الداعمة.
إن الدفاع عن مدينة الحرف والفضة ليس مجرد خطاب عاطفي، بل هو موقف تنموي واضح: إما أن نحمي تراثنا ونستثمر فيه، أو نتركه يذوب تدريجياً تحت ضغط الإهمال والمنافسة غير المنظمة.
تيزنيت ليست فقط مدينة… إنها قصة مهارة وصبر وهوية. وحمايتها مسؤولية جماعية تبدأ بالاعتراف بقيمة الحرفي، وتنتهي ببناء اقتصاد محلي قوي، متجذر في تراثه، ومنفتح على العالم.

