
مغرب العالم / بروكسل
الصحافي : يوسف دانون

في زمنٍ لم تتغير فيه الساعات ولا تعاقب الليل والنهار، تغيّر شيء أعمق في داخل الإنسان.
لم يعد السؤال: ماذا يحدث في العالم؟
بل: ماذا يحدث لنا نحن؟
أصبحت الأسرار تُتداول كما تُتداول الأخبار العادية، وكأن الأمانة خُلِقت لتُكسر، لا لتُصان. المجالس التي كانت يومًا حصونًا للثقة، تحوّل بعضها إلى منصات للثرثرة والتشهير. لم يعد اللسان يُقاس بميزان الحكمة، بل بقدرته على الإثارة وجلب الانتباه. فأي مجتمع يمكن أن يستقيم إذا ضاعت فيه قيمة الستر، وأصبح إفشاء السر نوعًا من التفوق الاجتماعي؟
وفي موازاة ذلك، نشهد تصدّعًا مقلقًا في مؤسسة الأسرة. ارتفاع نسب الطلاق لم يعد مجرد أرقام تُنشر في تقارير، بل قصص ألم حقيقية، وأطفالًا يدفعون ثمن خلافات الكبار. اختفى الصبر من قاموس البعض، وغابت ثقافة الحوار، وحلّت محلها نزعة الأنا والتسرّع في اتخاذ القرار. الزواج الذي كان مشروع عمر، صار عند بعضهم تجربة قابلة للإلغاء عند أول عاصفة.
أما المشهد اليومي في مقاهي الشيشة، حيث يجلس شباب في عمر البناء والإبداع لساعات طويلة في فضاءات يغلب عليها الفراغ، فيعكس أزمة أعمق من مجرد عادة اجتماعية. إنه فراغ روحي وفكري، وبحث عن انتماء مؤقت في دخان يتلاشى سريعًا. والأمر يزداد إيلامًا حين نرى بعض النساء ينخرطن في هذا المشهد بشكل يطرح تساؤلات حول صورة المرأة وهيبتها. فالمرأة لم تكن يومًا مجرد حضور في مكان، بل كانت رمزًا للوقار والاتزان، ومدرسة في القيم قبل أن تكون صورة في مشهد عابر.
ومع كل ذلك، تبرز الكراهية عنوانًا عريضًا في العلاقات بين الناس. الحسد أصبح لغة خفية، والتشفي صار عادة، والفساد يُمارس أحيانًا بلا خجل. بعض الممارسات التي كانت تُستنكر علنًا، صارت تُبرر تحت مسميات براقة، وكأننا نعيد تعريف القيم وفق أهوائنا لا وفق ضمائرنا.
فهل الزمن هو الذي تغيّر؟
أم أننا نحن من تراجعنا خطوة بعد خطوة عن ثوابتنا؟
الحقيقة أن الزمن بريء. فالسنوات لا تحمل أخلاقًا، بل نحن من نحملها. القيم لا تسقط فجأة، لكنها تذبل حين نهملها، وتتآكل حين نصمت عن الخطأ، وتختفي حين نخلط بين الحرية والانفلات، وبين الحداثة والتفكك.
ومع ذلك، ليس المشهد قاتمًا بالكامل. لا يزال في المجتمع رجال ونساء يحفظون العهد، ويصونون الأسرار، ويتمسكون بقدسية الأسرة، ويربّون أبناءهم على الصدق والاحترام. الخير لم يختفِ، لكنه يحتاج إلى صوت أعلى، وإلى قدوة أوضح، وإلى وعي جماعي يعيد ترتيب الأولويات.
الإصلاح لا يبدأ من نقد الآخرين فقط، بل من مراجعة الذات. يبدأ من بيتٍ يُربّى فيه الطفل على الأمانة، ومن أمّ تعيد للأنوثة معناها الراقي، ومن أبٍ يُعلّم أبناءه أن الرجولة خُلق قبل أن تكون مظهرًا.
لسنا في زمنٍ سيئ بقدر ما نحن في زمن اختبار. اختبار لمدى تمسكنا بما تبقى من قيم، ومدى قدرتنا على أن نكون جزءًا من الحل لا جزءًا من الشكوى.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام كل واحد منا:
هل سنكتفي بالتحسّر على ما ضاع، أم سنسهم في إعادة بناء ما يمكن إنقاذه…..
