
بقلم: الصحافي أمين بوشعيب/ إيطاليا

بمناسبة أمطار الخير التي عرفها المغرب مؤخرا، أثار أحد أساتذة اللسانيات في الجامعة المغربية إشكالاً لافتاً حين تساءل: لماذا اختفى ذكر الله من نشرات الأخبار الجوية؟ فبعد أن كانت التعابير المتداولة مثل “أمطار الخير التي أنعم الله بها على البلاد” جزءاً من الخطاب الإعلامي، أصبحت النشرات تكتفي بعبارات تقنية من قبيل “تساقطات مطرية مهمة” أو “منخفض جوي مصحوب باضطرابات جوية”. هذا التحول ليس بريئاً لغوياً، بل يعكس ـ في نظره ـ توجهاً واعياً نحو تجريد الخطاب العمومي من أي إحالة دينية.
من هذا المنظور، يمكن اعتبار اختفاء عبارة “أمطار الخير” مؤشراً على علمنة رمزية هادئة، تُمارَس عبر إعادة هندسة المعجم اليومي للمواطن. فالقطيعة مع الدين لا تبدأ دائماً بإلغاء النصوص القانونية أو تغيير الدساتير، بل قد تبدأ بإقصاء المفردات الدينية من التداول الرسمي، حتى يبدو حضورها لاحقاً نشازاً في الفضاء العام.
يرى بعض الباحثين والتيارات الفكرية أن علمنة المجتمع لا يمكن أن تتحقق إلا عبر قطيعة واضحة مع الدين كمصدر للسلطة الرمزية والتشريعية. ووفق هذا التصور، فإن التجربة المغربية ليست استثناءً، بل تعيش ـ تدريجياً ـ مساراً نحو إبعاد الدين عن المجال العام لصالح مرجعيات مدنية. وهنا يبرز دور الإعلام كأداة لإعادة تشكيل المرجعيات وإعادة تشكيل المخيال الجماعي، خصوصاً مع توسع الإعلام العمومي والخاص، مثل الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، إضافة إلى المنصات الرقمية. وذلك من خلال إبراز أنماط عيش فردية متحررة من الضوابط التقليدية، وتطبيع النقاش حول قضايا كانت تُعتبر محرّمة، وتقديم الخطاب الديني كخيار ثقافي من بين خيارات أخرى، وبالتالي تعزيز قيم الفردانية والحرية الشخصية. ومن هذا المنظور، يسهم الإعلام في نقل المجتمع من مرجعية جماعية دينية إلى مرجعية فردية مدنية.
ويبقى مجال المناهج والمقررات الدراسية هو المجال الأكثر أهمية في إعادة صياغة الهوية، لأن المدرسة تُعدّ من أهم أدوات التنشئة الاجتماعية. وقد عرفت المناهج المغربية إصلاحات متتالية تحت إشراف وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، ركزت على: التربية على حقوق الإنسان، وترسيخ قيم المواطنة العالمية، وتنمية التفكير النقدي، وإعادة تأويل مادة التربية الإسلامية. وذلك بغرض تقليص مركزية الدين في تشكيل وعي المتعلم، وإعادة تعريف الهوية الوطنية في إطار مدني كوني، والفصل بين الأخلاق كمجال إنساني عام، والدين كمعتقد شخصي.
إلى جانب الإعلام والتعليم، تشهد المنظومة القانونية والاجتماعية نقاشات متزايدة حول قضايا الأسرة، والحريات الفردية، والمساواة، ما يعكس انتقالاً تدريجياً من منطق التشريع الديني إلى منطق القانون الوضعي. ويعتبر المدافعون عن هذا التوجه أن بناء دولة حديثة يقتضي حياد الدولة تجاه المعتقدات، والمساواة الكاملة بين المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية، وبالتالي إعلاء مبدأ الحرية الفردية. وهنا لا بد من الإشارة إلى وزير العدل الحالي، عبد اللطيف وهبي، كأحد أكثر الأصوات الحكومية دفاعاً عن توسيع الحريات الفردية. غير أن هذا الدفاع، في نظر منتقديه، لم يكن مجرد تحديث تقني للمنظومة الجنائية، بل اتخذ طابعاً تصادمياً مع المرجعية الدينية والقيمية للمجتمع المغربي.
لكن رغم هذه المؤشرات، يبقى المجتمع المغربي متعدد المرجعيات، حيث لا تزال القيم الدينية حاضرة بقوة في الحياة اليومية. لذلك فإن الحديث عن “قطيعة تامة” يظل موضوع نقاش، بين من يراه مساراً ضرورياً للتحديث، ومن يعتبره تهديداً للهوية الثقافية والدينية. وفي هذا السياق يرى عدد من الباحثين أن الحديث عن علمنة كاملة في المغرب يواجه عائقين بنيويين أساسيين: البنية الدينية للمجتمع، والشرعية الدستورية القائمة على إمارة المؤمنين.
فالمجتمع المغربي، تاريخياً وثقافياً، مجتمع متجذر في المرجعية الإسلامية. فالدين لا يُنظر إليه كمجرد اعتقاد فردي، بل كعنصر مكوِّن للهوية الجماعية، وللنسيج الاجتماعي، وللمنظومة القيمية. الإسلام حاضر في الطقوس اليومية والعادات الاجتماعية، وفي المناسبات الدينية والوطنية، وفي المرجعيات الأخلاقية للأفراد، وكذا في تصور المغاربة للعدالة والشرعية. ولذلك، فإن أي “مشروع علمنة” يقوم على قطيعة مع الدين سيُنظر إليه من طرف فئات واسعة باعتباره مساساً بالهوية، لا مجرد إصلاح سياسي أو قانوني. فالتدين هنا ليس هامشياً، بل بنيوي في تشكيل الوعي الجماعي.
وأما العامل الثاني الذي يعوق هذا المشروع الذي تقوده حكومة أخنوش استجابة لإملاءات خارجية، فيتمثل في مؤسسة إمارة المؤمنين، التي يتولاها محمد السادس بصفته أمير المؤمنين. هذه الصفة ليست رمزية فحسب، بل منصوص عليها دستورياً، وتمنح الملك سلطة دينية إلى جانب سلطته السياسية. فإمارة المؤمنين في المغرب تؤدي وظائف متعددة، منها ضمان وحدة المرجعية الدينية، والإشراف على الحقل الديني وتنظيمه، وحماية المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية، وتأطير المجال الديني بما يمنع التطرف.
وهنا لا بدّ من تسجيل إحدى المفارقات العجيبة والغريبة، وتتمثّل في الانقلاب الناعم الذي يقوده أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، ضد إمارة المؤمنين من خلال تحويل المجال الديني إلى فضاء إداري صرف، والتضييق على حضور الشعائر في الفضاء العام. مثل إغلاق المساجد بين الصلوات ومنع الاعتكاف داخلها خاصة في شهر رمضان الفضيل. وإلغاء بعض الشعائر الدينية مثل ما حدث في السنة الماضية عندما قام بإلغاء شعيرة عيد الأضحى، في تحدّ سافر لإمارة المؤمنين، خدمة لأجندات داخلية أو خارجية.
وخلاصة القول، إن التداخل بين الديني والسياسي يجعل نموذج الفصل التام بينهما ـ كما في بعض التجارب الغربية ـ صعب التحقيق في السياق المغربي، لأن الشرعية السياسية نفسها تستند جزئياً إلى أساس ديني. ولأن أي مشروع يسعى إلى إقصاء الدين من المجال العام سيُفهم شعبياً باعتباره مساساً بالثوابت، لا إصلاحاً سياسياً.
فلاش: منذ تولي عبد اللطيف وهبي حقيبة العدل في المغرب، لم يعد النقاش حول الحريات الفردية مجرد ورش قانوني تقني، بل تحول إلى معركة مفتوحة حول هوية التشريع المغربي. الوزير لا يخفي مواقفه، بل يدافع عنها بصراحة، معتبراً أن القانون يجب ألا يتدخل في “الحياة الخاصة” للأفراد. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل الأمر يتعلق فعلاً بحماية الحريات، أم بإعادة توجيه البوصلة القيمية للقانون المغربي؟
عندما يُطرح إلغاء أو تعديل الفصل 490 المتعلق بالعلاقات الرضائية خارج الزواج، أو يُخفف النقاش حول الفصل 491 الخاص بالخيانة الزوجية، أو يُعاد فتح ملف الإجهاض، أو يُطرح سؤال تجريم الإفطار العلني في رمضان (الفصل 222)، فإننا لا نكون أمام تعديلات تقنية معزولة، بل أمام مراجعة عميقة لمنظومة أخلاقية ظل القانون المغربي يعكسها لعقود.
الوزير يقدم هذه الخطوات باعتبارها انسجاماً مع الدستور والالتزامات الدولية. غير أن هذا التبرير، يتجاهل حقيقة واضحة، وهي أن التشريع في المغرب ليس محايداً، بل هو نتاج تاريخ طويل من التفاعل بين القانون والمرجعية الإسلامية. والقانون الجنائي تحديداً لم يُبنَ فقط لحماية الأفراد من الضرر المادي، بل أيضاً لصيانة النظام العام القيمي الذي يقوم عليه المجتمع.
إن تحويل القانون إلى أداة لحماية “الاختيار الفردي” بمعزل عن المرجعية الأخلاقية الجماعية يعني عملياً إعادة تعريف وظيفة الدولة نفسها. فهل الدولة مجرد حارس لحرية الفرد، أم أنها أيضاً مؤتمنة على ثوابت المجتمع وهويته؟
الأخطر من ذلك أن الدفع المتسارع نحو توسيع الحريات الفردية قد يخلق فجوة بين النص القانوني والقبول الاجتماعي. قانون بلا سند مجتمعي قوي يتحول إلى نص معلق في الهواء، فاقد للشرعية الشعبية، وكذلك الحكومة التي تتبنّاه.
