

بقلم: الصحافي أمين بوشعيب/إيطاليا
من موقع الغربة، حيث تتسع الرؤية وتنكشف التناقضات، يبدو العالم اليوم وكأنه يُساق ببطء نحو حافة الهاوية، لا بفعل كارثة طبيعية، بل نتيجة قرارات سياسية متهورة يقودها رجال يعتقدون أن التاريخ يُكتب بالتصعيد لا بالحكمة.
في مقدمة هؤلاء، يقف دونالد ترمب، الذي أعاد تعريف السياسة الخارجية الأمريكية بمنطق “إما أن تربح كل شيء أو تحرق الطاولة”، إلى جانب نيتنياهو، الذي جعل من إشعال الحرائق الإقليمية وسيلة للبقاء السياسي.
ليس من الصعب ملاحظة أن ما يجري ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر أو صراع مصالح تقليدي، بل هو انزلاق خطير نحو سياسة حافة الهاوية. انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي مع إيران لم يكن مجرد قرار دبلوماسي، بل إعلان صريح بأن منطق القوة سيحل محل منطق التوازن. أما في تل أبيب، فالرجل الذي تحاصره أزمات الداخل لم يجد أفضل من تصدير أزمته إلى الخارج، عبر تضخيم التهديدات وفتح جبهات توتر لاتنتهي.
لكن الحقيقة الأكثر قسوة هي أن هذه السياسات لا تُدفع كلفتها في واشنطن ولا في تل أبيب، بل في عواصمنا نحن. في الشرق الأوسط، في شمال إفريقيا، في الدول الهشة التي تتحول بسرعة إلى ساحات صراع بالوكالة. نحن من ندفع ثمن المغامرات، ونحن من نحصد نتائج الحسابات الخاطئة.
لقد تعلّمنا -نحن مغاربة العالم- أن نقرأ ما بين السطور. نعرف أن الحروب لا تُعلن دائماً بشكل رسمي، بل تبدأ بتصعيد لغوي، بعقوبات اقتصادية، باستفزازات محسوبة… ثم فجأة، ينفلت كل شيء. والتاريخ شاهد، فكم من حرب بدأت بقرار “تكتيكي” وانتهت بكارثة استراتيجية. إن أخطر ما في المرحلة ليس فقط التهديد بالحرب، بل تطبيع هذا التهديد. أن يصبح الحديث عن المواجهة أمراً عادياً، وأن تتحول المنطقة إلى رقعة شطرنج تُحرّك فيها الشعوب كقطع صامتة. هنا يكمن الجنون الحقيقي: حين يفقد القرار السياسي أي إحساس بعواقبه الإنسانية.
العالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من القادة الذين يجيدون إشعال الأزمات، بل إلى من يملكون شجاعة إطفائها. لأن البديل واضح، وهو استمرار هذا النهج لن يقود إلى “نصر” لأي طرف، بل إلى خسارة جماعية… حينها لن يسأل التاريخ من بدأ، بل سيسجل أن الجميع سقطوا عندما ظنوا أنهم يلعبون لعبة يمكن التحكم في نهايتها.
لكن الأخطر من ذلك كله هو هذا “الجنون المنظم”: قرارات تُتخذ تحت غطاء القوة، لكنها في جوهرها مقامرة غير محسوبة. فحين تُدفع قوة إقليمية كإيران إلى الزاوية، وحين تُفتح جبهات متعددة في وقت واحد، فإن أي خطأ صغير قد يتحول إلى شرارة حرب كبرى لا يمكن السيطرة عليها.
والحقيقة التي يحاول كثيرون تجاهلها هي أن هذه السياسات لا تُكلف صانعيها شيئاً يُذكر مقارنة بما تدفعه الشعوب. في واشنطن، تُدار الحروب من خلف الشاشات. وفي تل أبيب، تُستخدم القوة كأداة سياسية. أما في عالمنا العربي والإسلامي، فنحن من نعيش النتائج: اضطراب، غلاء، هشاشة، وخوف دائم من المجهول.
في خضم هذا الجنون السياسي، يطرح سؤال قانوني بسيط لكنه مُحرج: بأي حق يُسمح لقادة مثل ترمب ونتنياهو بالحديث عن اعتقال رؤساء دول أو تصفية شخصيات عمومية خارج أي مسار قضائي؟ الجواب الصريح: لا يوجد أي نص في القانون الدولي يبيح ذلك. فميثاق الأمم المتحدة واضح في تحريمه لاستخدام القوة أو انتهاك سيادة الدول، ومبدأ الحصانة السيادية يحمي رؤساء الدول من أي إجراء أحادي. وأما الاغتيالات السياسية، فهي في جوهرها جرائم خارج إطار القانون، مهما تم تغليفها بخطاب “الدفاع عن النفس” أو “مكافحة الإرهاب”. لكن الواقع يكشف مفارقة صادمة: ما يُدان إذا صدر عن دول ضعيفة، يُبرَّر أو يُصمت عنه إذا صدر عن قوى كبرى أو حلفائها.
وهنا يسقط القناع، فنحن لسنا أمام “نظام قانوني دولي” يُطبَّق على الجميع، بل أمام منظومة تُستدعى نصوصها عندما تخدم الأقوياء، وتُهمَل عندما تُقيّدهم. إنها عدالة بمكيالين، بل بمنظارين: واحد صارم للضعفاء، وآخر مرن، بل متواطئ مع الأقوياء.
وإذا كان صمت القوى الكبرى مفهوماً في ميزان المصالح وإن كان غير مبرر، فإن الصمت العربي الرسمي يظل الأكثر إيلاماً واستفزازاً. وهنا وجب التوضيح، فالحديث لا يخص الشعوب العربية، بل الأنظمة التي اختارت، طوعاً أو كرهاً، أن تتموضع في خانة المتفرج أو التابع. والحقيقة الصادمة أن كثيراً من الأنظمة العربية لم تعد تتحرك وفق منطق السيادة، بل وفق منطق البقاء. أنظمة تخشى على كراسيها أكثر مما تخشى على أوطانها، فاختارت السلامة المؤقتة على حساب الكرامة الاستراتيجية. ارتهان أمني، تبعية اقتصادية، وخوف دائم من اتخاذ موقف قد يُغضب الحليف الخارجي، كلها عوامل صنعت هذا الصمت الثقيل.
لهذا، فإن أخطر ما في المرحلة ليس فقط جنون القوى الكبرى، بل هذا الفراغ العربي الرسمي الذي يترك المنطقة مكشوفة. فراغ لو مُلئ بإرادة سياسية حقيقية، مدعومة بشعوبها، لما كان العالم ليتجرأ على دفع المنطقة نحو حافة الهاوية بهذا الشكل.
حين يبلغ الظلم ذروته تبدأ النهاية… وسط هذا الضجيج العالمي، حيث تختلط القوة بالغرور، والسياسة بالمقامرة، قد يظن البعض أن موازين القوى ثابتة، وأن من يملك السلاح والقرار يملك أيضاً الحق في إعادة تشكيل العالم كما يشاء. لكن ما يغفله هؤلاء هو أن هناك سنناً كونية لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تحكم مصير الأمم والدول. لقد علّمنا القرآن أن الظلم لا يدوم، وأن الطغيان حين يبلغ ذروته يكون قد اقترب من لحظة سقوطه. فكم من قوة بلغت أوج جبروتها، واعتقدت أنها فوق المساءلة، ثم انهارت فجأة، لا لأنها فقدت سلاحها، بل لأنها فقدت عدالتها.
“ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون” هذه ليست مجرد آية تُتلى، بل قانون إلهي يتكرر عبر التاريخ، يُمهل ولا يُهمل، يُؤخر الحساب، لكنه لا يُلغيه. وحين يأتي الأخذ، لا يكون تدريجياً كما يتوقع الطغاة، بل صادماً، يكسر غرور القوة ويعيد التوازن الذي اختل. لكن هذا الإيمان ليس دعوة للانتظار السلبي، بل هو مصدر قوة للشعوب التي ترفض الخضوع. لأن من يدرك أن الظلم إلى زوال، لا يمكن أن يقبل به قدراً دائماً، ولا أن يستسلم له واقعاً أبدياً. وهنا تتقاطع السنن الإلهية مع إرادة الشعوب، وحين ينهض الحق، ولو ببطء، فإنه يجد طريقه في النهاية.
نتنياهو وترمب يتصرفان وكأنهما فوق القانون وفوق الحساب، لكن الحقيقة التي لا يريد الطغاة سماعها، هي أن التاريخ لا يُكتب فقط بقرارات الأقوياء، بل أيضاً بلحظة سقوطهم. فليمعنوا في غيّهم ما شاءوا، فكل طغيان، مهما طال، يحمل في داخله ساعة نهايته.
فلاش: رغم الصورة التي يُراد تسويقها عن “إجماع دولي” يبارك منطق القوة والتصعيد، فإن الواقع بدأ يكشف شروخاً واضحة في هذا الجدار. داخل أمريكا وخاجها، بأدت ترتفع أصوات سياسية رسمية وإعلامية وأكاديمية ترفض الانجرار إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط، مستحضرة دروس العراق وأفغانستان، حيث أُهدرت تريليونات الدولارات دون تحقيق نصر حقيقي. رأي عام مرهق، ونخب بدأت تدرك أن كلفة المغامرة مع إيران قد تكون أعلى بكثير مما يُسوَّق له.
والأهم من ذلك أن هذه الأصوات تكشف زيف الرواية التي تُقدَّم للرأي العام: العالم ليس موحداً خلف تغريدات ترمب الطائشة، بل منقسم ومتردد، بل وخائف من عواقب قد تخرج عن السيطرة. ومع تراكم هذه المواقف، يتحول “الاعتراض الخافت” إلى ضغط سياسي حقيقي، قد لا يوقف الحرب فوراً، لكنه يضعف شرعيتها ويُحرج صناعها.
فهل ستنتصر لغة العقل على لغة الجنون؟ نتمنى ذك لأن كلفة الجنون أكبر من أي “نصر” مزعوم.
