بقلم : ذ. أيوب الرضواني
وسط معمعة التعيينات الرئاسية ولعلعة فضائح الفراقشية، سلَّتت أكوا حكومة 3296 مليار سنتيم كريدي على ظهر أظرف شعب في العالم، خلال شهر رمضان المعظم. أيه أسيدي، ولا من شاف ولا من دِري!!

– 496 مليار وافق صندوق النقد الدولي على إقراضنا إياها في إطار الشريحة 3 من كريدي “ضمان الصلابة والاستادمة”. ويعني أن خزينة العلاّف فوزي (وزير المالية) ستستعمل ذلك القرض لسد عجز ميزانية تنزف بسبب نفقات المونديال، وتوفير عملة صعبة لعجز تجاري وصل لـ 50,7 مليار درهم أول شهرين من عام 2025 (+22%).
عجز مُرشح للتفاقم في ظل انخفاض صادرات قطاعات رئيسية كالسيارات نتيجة رسوم ترامب الجمركية العامة على المغرب بـ 10%، وعلى كل سيارة تُصنع خارج أمريكا بـ 25%. إضافة إلى رسومه على أهم شركاءنا التجاريين (الاتحاد الأوروبي 20%) والصين (34%). مع ارتفاع وارداتنا من المواد الأساسية كالغذاء بـ13% (1604 مليار سنتيم يناير وفبراير من السنة الجارية).
☆ 600 مليار سنتيم كريدي من البنك الدولي بهدف “الصمود في وجه المخاطر الصحية، وتحسين رأس المال البشري في مرحلة الطفولة، والحد من الفقر بين كبار السن، وتعزيز إدارة المخاطر المناخية”. قرض مُقترن بخطوات المغرب الحثيثة لخصخصة قطاع الصحة، مقابل تعميم “حماية اجتماعية” عبر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وآليته “آمو الشامل”، الذي من المُتوقع وصول عجزه عام 2025 لأكثر من 100 مليار سنتيم.
3☆ أخيرا قرض الصراحة راحة، حيث أتتنا الحكومة مباشرة ودون لف ولا دوران، وصارحتنا بلجوءها لأسواق السندات الدولية لاقتراض 2200 مليار سنتيم لتغطية مصاريف كأس العالم.
وسط هذا الكم الهائل من القروض غير المُغطات ولو بـ 1% من صحافة الشّاي بالغازوال، يُطرح سؤال عريض: ما الثمن؟ المقابل الذي تدفعه الدولة المغربية نظير تيْسير هذا الإسهال من الديون؟
قبل الإجابة المُختصرة، نلفت عناية السادة القراء أنه، وبرسم قانون مالية 2025، ستقترض أكوا حكومة 125 مليار درهم، تدفع منها 107 مليار درهم أقساطا وعمولات وفوائد ديون. يعني أننا نضرب دورة كبيرة كي نُغطي حقيقة واضحة وضوح الشمس في كبد السماء: كـ نخلصو كريدي بكريدي!
نمر الآن إلى المقابل الذي سندفعه أنا وأنت، ونأخذ مثال الشريحة 3 من كريدي صندوق النقد الدولي المقدر بـ 496 مليار سنتيم، حيث وافقت أكوا حكومة على 7 شروط للصندوق أبرزها:
1☆ تحويل المكتب الوطني للكهرباء والماء إلى مجرد مشغل لنظام نقل الكهرباء، عبر ما يُسميه صندوق النقد “فصل الحسابات المالية الخاصة بعمليات الإنتاج عن الحسابات المالية الخاصة بعملية النقل”. حتى الـ 20% من الكهرباء التي ينتجها المكتب حاليا لن تبقى، لتتحكم الشركات الخاصة 100% بسيادتنا الطاقية.
الزيادات في القيمة المضافة على الكهرباء بواقع 14% عام 2023، 16% عام 2024، 18% لـ 2025 و20% لـ 2026 لم تكن سوى البداية، حيث ستتغير طريقة تحديد أسعار الكهرباء من كونها اختصاصا حصريا للمكتب الوطني للماء والكهرباء وقرارا حكوميا، لتسويق الإنتاج بـ “تعريفة مُتفق عليها” بين الخواص والدولة على المدى المتوسط، وصولا لترك الشركات وجها لوجه مع “المُواتن” بعد 2040، تاريخ انتهاء معظم عقود شركات إنتاج الكهرباء لصالح المكتب الوطني. وطبعا كل تلك الإجراءات ستتُرجم زيادات في فواتير مُواتنين وأسرا ينظرون لقدراتهم المالية تتآكل يوما بعد آخر.
2☆ الرفع من فواتير الماء حسب قانون مالية 2023، الذي صعَّد الضريبة على القيمة المضافة بـ 7% عام 2023، 8% عام 2024، نسبة 9% لـ 2025 و10% لعام 2026 خطوة أولى نحو مزيد من “تثمين الماء”. تثمين (رفع في الأسعار) سيتلو دراسة تقوم بها حاليا وزارة التجهيز والماء حول كلفة المياه، يتبعها ما يقولون إنه “إصدار قوانين لحماية الموارد الجوفية”.
قوانون لن يكون هدفها أخيرا سوى المزيد من التضييق على أصحاب الزراعات المعيشية (أو من تبقى منهم!)، في حين تستطيع الزراعات التصديرية مواكبة الكلفة الفلكية لمياه البحر المحلاة ( أغلى أربع إلى خمس مرات من مياه الآبار). الانعكاس على الفلاحة: قليل من الإنتاج الموجه للسوق المحلية، مزيد من الاستيراد، مزيد من التبعية للخارج.
و أخيرا، تستعد أكوا حكومة، وتبعا لالتزامات المملكة “المناخية”، ابتداء من 2026 لـ:
● فرض ضريبة على الغاز والنفط الثقيل اللذان يستخدمان لإنتاج الكهرباء: رفع الكلفة، رفع السعر على المستهلك المباشر أو الدعم المقدم من الحكومة، والذي يسجل عجزا لسنوات وسنوات قادمة.
● زيادة الضريبة على مادتي “البيتومين” المستخدم في البناء، وزيوت التشحيم واسعة الاستعمال في الصناعة: ارتفاع أسعار مواد البناء والمواد المصنعة والنصف مصنعة.
● اعتماد ضريبة على الكربون سواء على المنتجات المحلية، أو المستوردة: زيادة في تكاليف الإنتاج وفي الرسوم الجمركية؛ مزيد من “أُكحب” يا مواتن!!!
من جهة، تتخلى دول عظمى مُلوِّثة عن التزاماتها البيئية (الولايات المتحدة رُبع انتاج العالم، الصين خُمسه، روسيا، أستراليا…). وحتى عندما يجتمعون في قِمم المناخ، فهم لا يناقشون سوى التعويضات التي تُدفع لدول العالم الثالث باعتبارها أكبر المُتضررين من تلك التغيرات.
ومن جهة أخرى تجد دولة كالمغرب، لا تساهم بناتجها الإجمالي (157 مليار دولار) بأكثر من 0,14% من الناتج العالمي (109,5 ترليون دولار عام 2024)، تحشر نفسها في التزامات مناخية تقلب هيكلة اقتصادها الوطني، تُطبؤ نموه، والأهم من ذلك أن تلك الالتزامات ما هي إلا غطاء لبيع مؤسسات الدولة (أو ما تبقى منها)، ومع البيع التخلي عن السيادة واستقلالية القراريين الاقتصادي والسياسي، وتسخير البلاد كقاعدة أساسية لصناعات مُدمرة للبيئة بدل حمايتها.
اسألوا عن تدمير محطة نور للنُّظم البيئة المحيطة بالمركب الشمسي الأسطوري المُتعطلة ثلث قدرته الإنتاجية منذ سنة، وعن استنزافه لمياه السد المحلي، أو عن الكميات الفلكية من مياه البحر المُحلاة التي تحتاجها مشاريع الهيدروجين الأخضر وآثارها على التوازن البيئي للمحيطات (ارتفاع نسب الملوحة، تفريغ المواد والبقابا الكيماوية، انقراض ونفوق الكائنات الحية…)
ولقصة علاقة الحب مع صندوق النقد بقية…