مقال راي (9)
بقلم: دومكسا فيصل
لم تعد معاناة الباعة المتجولين بمدينة تيزنيت مجرد إشكال محلي مرتبط بتنظيم الفضاء العام، بل أضحت انتهاكاً صريحاً لحقوق دستورية والتزامات دولية تعهد بها المغرب، لكنها لا تجد طريقها إلى التنفيذ على أرض الواقع.
إن المقاربة المعتمدة حالياً، القائمة على المنع والمطاردة والمصادرة، تعكس فشلاً في احترام مبدأ دولة الحق والقانون، وتطرح أسئلة جدية حول مسؤولية السلطات المحلية والمنتخبة في حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للفئات الهشة.
أولاً: خرق واضح للفصل 31 من الدستور
ينص الفصل 31 من الدستور المغربي على أن:
> “تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية على تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين من الحق في الشغل، والحماية الاجتماعية، والتغطية الصحية…”
غير أن الباعة المتجولين بتيزنيت:
محرومون من الحق في الشغل المنظم.
مقصيون من برامج الحماية الاجتماعية.
يعملون في ظروف تفتقر لأبسط الشروط الصحية.
وهو ما يشكل تناقضاً مباشراً بين النص الدستوري والممارسة الفعلية.
ثانياً: المساس بالكرامة الإنسانية (الفصل 22)
ينص الفصل 22 على منع:
> “كل أشكال المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة”.
إن مطاردة الباعة المتجولين، ومصادرة بضائعهم التي تمثل مصدر عيشهم الوحيد، دون بدائل أو تعويض، يُعد معاملة مهينة تمس الكرامة الإنسانية، خصوصاً حين يتعلق الأمر بربّات أسر أو أشخاص في وضعية هشاشة قصوى.
ثالثاً: خرق مبدأ المساواة وعدم التمييز (الفصل 6)
يؤكد الفصل 6 من الدستور على:
> “سمو القانون ومبدأ المساواة أمامه”.
غير أن الواقع يُظهر تمييزاً فعلياً بين فئات اقتصادية تستفيد من:
الدعم العمومي
الامتيازات
فضاءات منظمة
وفئات أخرى، في مقدمتها الباعة المتجولون، يتم إقصاؤها بشكل ممنهج، وهو ما يضرب مبدأ تكافؤ الفرص في العمق.
رابعاً: إخلال بالالتزامات الدولية للمغرب
صادق المغرب على العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية سنة 1979، والذي ينص في:
المادة 6: الحق في العمل، وحق كل شخص في كسب رزقه بعمل يختاره بحرية.
المادة 7: الحق في شروط عمل عادلة ومرضية.
المادة 11: الحق في مستوى معيشي لائق.
كما صادق المغرب على:
اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 102 بشأن الحماية الاجتماعية.
اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 111 بشأن القضاء على التمييز في الاستخدام والمهنة.
إن إقصاء الباعة المتجولين من أي إطار قانوني أو اجتماعي يُعد إخلالاً بهذه الالتزامات الدولية، ويُفرغ المصادقة عليها من مضمونها.
خامساً: الهجرة القسرية كنتيجة لانتهاك الحقوق
إن دفع بعض أبناء تيزنيت إلى طلب اللجوء أو الهجرة غير الطوعية نحو دول مثل فرنسا وإسبانيا، بسبب انعدام سبل العيش والتضييق، يُعد مؤشراً خطيراً على فشل السياسات الاجتماعية، ويتعارض مع روح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 23) التي تضمن الحق في العمل والحماية من البطالة.
نحو مقاربة دستورية قائمة على الإدماج
إن احترام الدستور والاتفاقيات الدولية يفرض:
الاعتراف القانوني بالباعة المتجولين.
إدماجهم في برامج الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
توفير فضاءات منظمة تحترم الشروط الصحية.
اعتماد الحوار والمقاربة التشاركية بدل الزجر.
خاتمة: احترام الدستور ليس خياراً سياسياً
إن استمرار تجاهل وضعية الباعة المتجولين بتيزنيت لا يمثل فقط إخلالاً اجتماعياً، بل انتهاكاً دستورياً والتفافاً على الالتزامات الدولية للمملكة.
فإما:
سياسات عمومية منسجمة مع الدستور،
أو خطاب حقوقي بلا أثر.
لأن الكرامة ليست امتيازاً، بل حقاً دستورياً غير قابل للتصرف،
ولأن تنمية تيزنيت تبدأ من إنصاف أبنائها، لا من إقصائهم.
.
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً.
الباعة المتجولون بتيزنيت: خرق دستوري والتزامات دولية مُعطَّلة
شاركها.
فيسبوك
تويتر
لينكدإن
البريد الإلكتروني
واتساب

