

مغرب العالم/ بروكسل
الصحافي : يوسف دانون
في خضم التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم، تظل الجالية المغربية المقيمة بالخارج، وخاصة ببلجيكا، واحدة من الركائز الأساسية التي يعوّل عليها المغرب في تعزيز حضوره الدولي، سواء على المستوى الاقتصادي أو الثقافي أو حتى الدبلوماسي. غير أن العلاقة بين هذه الجالية والمؤسسات الدبلوماسية التي تمثلها تثير، في كثير من الأحيان، تساؤلات عميقة حول طبيعتها وحدود فعاليتها.
لقد ما فتئ الخطاب الملكي يؤكد، في أكثر من مناسبة، على العناية الخاصة التي يوليها جلالة الملك محمد السادس لرعاياه المقيمين بالخارج، داعيًا إلى تحسين الخدمات المقدمة لهم، وتقوية جسور التواصل معهم، وضمان مشاركتهم الفعلية في مسار التنمية الوطنية. لكن، وعلى أرض الواقع، يبدو أن هذه التوجيهات السامية لا تجد طريقها دائمًا إلى التنفيذ بالشكل الذي يرقى إلى تطلعات الجالية.
في بلجيكا، حيث تشكل الجالية المغربية واحدة من أكبر وأقدم الجاليات الأجنبية، تتجلى مفارقة واضحة بين حجم الحضور المغربي وتأثيره، وبين مستوى التفاعل الذي توفره المؤسسات الدبلوماسية. فالكثير من أفراد الجالية يعبرون عن شعورهم بالتهميش، وعن صعوبة الولوج إلى الخدمات ، فضلًا عن ضعف قنوات الحوار والتواصل مع ممثليهم الرسميين.
الأمر لا يتعلق فقط بالجوانب الإدارية، بل يتجاوز ذلك إلى غياب رؤية استراتيجية حقيقية تجعل من الجالية شريكًا فعليًا في الدفاع عن المصالح العليا للوطن. فبدل استثمار الكفاءات المغربية المقيمة ببلجيكا، والتي أثبتت حضورها في مختلف المجالات، يُلاحظ أحيانًا تقديم وجوه لا تعكس بالضرورة مستوى الطموح، مما يخلق نوعًا من فقدان الثقة ويعمق الفجوة بين المواطن ومؤسساته.
وفي ظل هذا الواقع، يطرح سؤال ملح: إلى متى سيستمر هذا التجاهل؟ وأين دور وزارة الخارجية في إعادة ترتيب البيت الداخلي، وضمان تمثيلية دبلوماسية تليق بمكانة المغرب وبانتظارات جاليته؟
إن المرحلة الراهنة تتطلب إرادة حقيقية لإعادة النظر في أساليب الاشتغال، واعتماد مقاربة تشاركية تقوم على الإنصات الفعلي لمشاكل الجالية، وتثمين كفاءاتها، وإشراكها في صياغة السياسات التي تهمها. كما أن ربط المسؤولية بالمحاسبة يظل عنصرًا أساسيًا لضمان عدم تكرار الاختلالات، ووضع حد لكل أشكال الإقصاء أو التدبير غير الفعال.
في غياب ما يمكن تسميته بـ”المايسترو” القادر على تنسيق الجهود وتوجيهها نحو تحقيق الأهداف المرجوة، تبقى الحاجة ملحة إلى قيادة دبلوماسية جديدة، قادرة على استيعاب تعقيدات المرحلة، وإعادة الثقة بين الجالية ومؤسساتها.
وفي الأخير، تبقى الجالية المغربية ببلجيكا، رغم كل التحديات، وفية لوطنها، ومتشبثة بهويتها، ومساهمة بشكل كبير في إشعاع صورته. غير أن هذا الولاء يحتاج إلى احتضان حقيقي، وإلى سياسات واضحة ومنصفة، تعيد الاعتبار للمهاجر المغربي، وتؤكد أنه ليس خارج التغطية، بل في صلب الاهتمام الوطني.

