
بقلم: ك.م/ المغرب
أثار الجدل الذي رافق تصريحات وزير الصناعة والتجارة المغربي رياض مزور نقاشًا واسعًا داخل الأوساط الإعلامية وبين أفراد الجالية المغربية بالخارج. وبين من اعتبر التصريح موجَّهًا لفئة محدودة من المتحدثين باسم المستثمرين، ومن حاول توظيفه لإثارة خطاب المظلومية، برزت تساؤلات أعمق حول من يملك حق تمثيل الجالية، وحول الحدود الفاصلة بين الدفاع عن مصالحها واستغلال اسمها لتحقيق مكاسب خاصة.
في خضم الجدل الذي أعقب تصريح وزير الصناعة والتجارة، عاد الوزير ليقدم اعتذارًا واضحًا وصريحًا للجالية المغربية بالخارج، مؤكدًا أن تصريحه جاء في سياق الرد على بعض الاستفزازات الصادرة عن أشخاص يقدّمون أنفسهم كأطر ومستثمرين من مغاربة العالم.
غير أن هذا الجدل فتح الباب أمام محاولات متعددة لاستثماره إعلاميًا. فقد خرج رئيس جمعية المستثمرين المغاربة بالخارج في إحدى القنوات الإعلامية منتقدًا تصريح الوزير، لكنه في الوقت نفسه تحدث بلغة المظلومية و”الحكرة”. بل إنه أشار، في زلة لسان، إلى أنه سبق أن طالب بإنشاء مجمعات صناعية خاصة بالجالية المغربية بالخارج.
كما أكد أن الجمعية التي يمثلها تضم ما يقارب 1500 مستثمر مغربي، وهو رقم قد يثير تساؤلات مشروعة حول طريقة طرحه في النقاش العمومي. فاستعمال الأرقام بهذا الشكل قد يُفهم أحيانًا كورقة ضغط، وهو ما يذكّر ببعض الممارسات التي تظهر في المواسم الانتخابية عندما يتم التفاوض بعدد الأصوات من أجل تحقيق مكاسب معينة.
وفي هذا الإطار، يجدر التذكير بأن قانون الاستثمار في المغرب لا يميّز بين مستثمر داخل الوطن أو من مغاربة العالم أو حتى مستثمر أجنبي. فالمشاريع تخضع لدراسة دقيقة وفق معايير واضحة، والفرص متاحة للجميع دون استثناء متى توفرت الشروط المطلوبة للاستفادة من برامج دعم الاستثمار.
من هنا، لا يمكن لأي جهة أن تدّعي احتكار تمثيل الجالية المغربية بالخارج أو أن تتحدث باسمها وكأنها كتلة واحدة يمكن توظيفها في الصراعات أو المزايدات الإعلامية.
فالمغاربة، سواء داخل الوطن أو خارجه، متساوون في الانتماء والمسؤولية. فكما أن هناك مغاربة في الخارج يعملون ويستثمرون، هناك أيضًا عائلات تعيش في أعالي جبال الأطلس، وجنود مرابطون على الحدود يدافعون عن الوطن. الجميع أبناء هذا البلد، يجمعهم نفس الانتماء ونفس الواجب تجاهه.
كما أن واقع استثمارات مغاربة العالم يبيّن أن أغلبها يبقى بسيطًا ومتواضعًا، ويتجسد غالبًا في شراء عقار أو فتح محل تجاري أو مقهى أو إطلاق مشروع صغير يضمن حياة كريمة بعد التقاعد والعودة إلى أرض الوطن.
ومن اللافت أيضًا أن بعض من تناولوا الموضوع عبر منصات التواصل الاجتماعي اختاروا أسلوب السخرية أو التعليق السياسي، خاصة عبر منصات مثل يوتيوب، غير أن بعض هذه المقاطع انتهت بدعوات صريحة لزيادة التفاعل والإعجابات والمشاركات، في مشهد يثير تساؤلات حول استغلال هذا الجدل لتحقيق أرباح من نسب المشاهدة ولو على حساب قضايا الجالية.
في النهاية، تبقى الحقيقة واضحة: الجالية المغربية بالخارج أكبر من أن تُختزل في تصريحات عابرة أو أن تتحول إلى أداة لتحقيق مصالح شخصية لبعض المحسوبين عليها. فهي جزء أصيل من الوطن، يفتخر بانتمائه إليه كما يفتخر الوطن بأبنائه أينما كانوا.
ويبقى المغرب أكبر من هذه السجالات العابرة والحسابات الضيقة

