
مغرب العالم/ بروكسل
الصحافي : يوسف دانون
في قلب بروكسل، حيث تتقاطع المصالح الدولية وتُنسج خيوط العلاقات بين الدول، يُفترض أن تكون السفارة المغربية ببلجيكا بيتاً لكل مغربي، ومرآةً مشرقة لصورة المملكةالمغربية الشريفة في الخارج. غير أن أصواتاً متزايدة من أفراد الجالية تتساءل اليوم: هل لا تزال السفارة تقوم بهذا الدور كما ينبغي؟
الجالية المغربية في بلجيكا ليست رقماً هامشياً، بل هي امتداد حيّ للوطن، طاقات علمية واقتصادية وثقافية أسهمت لعقود في تعزيز حضور المغرب في أوروبا. لذلك، فإن أي شعور بالإقصاء أو التهميش داخل الفضاء الدبلوماسي يترك أثراً عميقاً، ليس فقط على العلاقة مع السفارة، بل على الإحساس بالانتماء ذاته.
حديث الجالية في الآونة الأخيرة يدور حول ما يعتبره البعض “حضوراً غائباً” للتمثيل الدبلوماسي؛ حضور بروتوكولي في المناسبات الرسمية، يقابله غياب عن نبض الناس، عن قضاياهم اليومية، عن تواصل شفاف يشرح ويستمع ويحتضن. والسؤال المشروع هنا: هل تحولت السفارة من فضاء مفتوح لكل الكفاءات إلى دائرة مغلقة لا يدخلها إلا المقربون؟
أحد أبرز الأمثلة التي أثارت الجدل كان مناسبة إفطار رمضاني قيل إنه شهد إقصاء عدد من أفراد الجالية التي تشرف بلدها الام وكذلك الفاعلين الجمعويين والإعلاميين المعروفين داخل الجالية. ومهما كانت المبررات التنظيمية، فإن الرسالة التي تصل حين يُستبعد وجوه خدمت الوطن في الغربة، هي رسالة سلبية. فالدبلوماسية ليست فقط علاقات بين دول، بل أيضاً علاقة ثقة بين الدولة وأبنائها في الخارج.
ليس المطلوب امتيازات، ولا دعوات بروتوكولية لأجل الصور، بل المطلوب إشراك حقيقي، واستراتيجية تواصل واضحة، وعدالة في التعامل. السفارة ليست ملكاً لشخص، ولا فضاءً خاصاً، بل مؤسسة تمثل الدولة بكل رمزيتها ومسؤوليتها.
النقد هنا ليس تجريحاً، بل دعوة للمراجعة. لأن قوة المغرب في الخارج لا تُقاس بعدد الحفلات، بل بمدى التفاف جاليته حول مؤسساته. والسفير، أيّاً كان اسمه، ليس موظفاً عادياً، بل واجهة وطن. والواجهة إن لم تكن مشرعة للناس، تحولت إلى جدار صامت.
ربما آن الأوان لفتح حوار حقيقي مع فعاليات الجالية، ووضع آليات شفافة للدعوات والمشاركات، وتكريس مبدأ تكافؤ الفرص في التمثيل. فالجالية المغربية في بلجيكا ليست ضيفاً على السفارة، بل هي شريك طبيعي في كل مبادرة وطنية.
في النهاية، حين تصبح مؤسسة بحجم سفارة مادة للتندر بين أبناء الوطن، فذلك مؤشر خطر لا ينبغي تجاهله. الإصلاح لا يحتاج إلى خطب طويلة، بل إلى إرادة صادقة تعيد الاعتبار لمفهوم “الخدمة العامة”، وتجعل من السفارة فعلاً بيتاً لكل المغاربة، لا عنواناً بريدياً فقط.

