مقال رأي(8)
مدينة تيزنيت، الواقعة في جهة سوس-ماسة جنوب المغرب، شهدت في السنوات الأخيرة توسعًا حضريًا كبيرًا وأصبحت تضم أحياء ملحقة عديدة تم إدراجها ضمن المجال الحضري للمدينة. إلا أن هذا التوسع لم يقابَل بمتطلبات تنموية حقيقية لهذه الأحياء، ما جعل بعضها يعيش وضعًا من التهميش والإقصاء التنموي والاجتماعي مقارنة بالمركز الحضري للمدينة.
أولًا: مظاهر التهميش والتمييز في الخدمات
1. انعدام النقل العمومي الكافي
الأحياء الملحقة تفتقر إلى وسائل نقل منتظمة على مدار الساعة، مما يجعل السكان يعتمدون على سيارات الأجرة بأسعار مرتفعة أو ينتظرون لساعات للوصول إلى مراكز العمل والمدارس والخدمات.
هذا النقص يعزل السكان اجتماعيًا واقتصاديًا ويحد من فرصهم في الشغل والتعليم.
2. ضعف البنية التحتية والخدمات الأساسية
هناك خصاص كبير في:
الصرف الصحي والمياه الصالحة للشرب،
الشبكات الطرقية المؤهلة بشكل جيد،
الإنارة العمومية في العديد من الأزقة والمناطق.
كثير من هذه الاحتياجات الأساسية لا تزال في انتظار إصلاحات جوهرية منذ سنوات عديدة على الرغم من مطالب السكان المتكررة.
3. افتقار لفضاءات الشباب والأطفال
عدم وجود أماكن ترفيهية، ملاعب، أو مراكز ثقافية واجتماعية في الأحياء الملحقة يؤدي إلى تهميش الشباب ويفتح المجال للهدر الاجتماعي والبطالة.
4. ضعف فرص الشغل والتكوين
ساكنة هذه الأحياء، خصوصًا الشباب، تعاني من نسبة بطالة مرتفعة ونقص مؤسسات التكوين المهني القريبة، ما يدفع كثيرين للهجرة إلى المدن الكبرى أو للخارج بحثًا عن فرص أحسن.
5. مشاكل الأراضي والبناء
سكان بعض الأحياء مثل بوتييني وتمدغوست عبروا عن معاناتهم مع القوانين والجبايات المفروضة من طرف الجماعة للحصول على رخص البناء، مع ضعف أي استجابة من طرف المجلس البلدي لشكواهم. هذه الإجراءات أعاقت تطوير منازلهم وبنيتهم التحتية الخاصة.
ثانيًا: جذور الأسباب الحسّاسة والهيكلية
التهميش ليس مجرد إهمال عابر، بل له أبعاد أعمق تتركز في نقاط أساسية:
1. ضعف التخطيط التنموي الشامل
البرامج التنموية الرسمية كثيرًا ما تركز على مركز المدينة، بينما لا يتم تخصيص ميزانيات كافية للأحياء الملحقة، بالرغم من تزايد كثافة الساكنة فيها.
هذا يعكس اختلالات في تخصيص الموارد وعدم استجابة فاعلة لمطالب السكان.
2. نقص العدالة المجالية في التسيير
بينما تستفيد بعض المناطق الحضرية من مشاريع كبيرة، تبقى الأحياء الملحقة في المرتبة الأخيرة في أولويات التخطيط العام، ما يخلق شعورًا بعدم المساواة والتمييز.
جمعيات محلية وحزبية سبق أن نادت بتسريع المشاريع وضمان احترام مصالح الساكنة في عدة قطاعات.
3. بطء في الاستثمار في الخدمات الاجتماعية
على غرار الرعاية الصحية أو التعليم العالي القريب من الأحياء، فإن الانتظارات تظل عالية في ظل غياب مؤسسات ومرافق كافية مقارنة بمناطق أخرى في جهة سوس-ماسة.
4. أزمة المشاركة الشعبية والتواصل
نقص آليات تواصل حقيقية بين السكان والمنتخبين يجعل مطالب السكان تُطرح أحيانًا بشكل غير منظم أو ضعيف التأثير، ما يعمّق الشعور بالإقصاء ويضعف الثقة في المؤسسات المنتخبة.
ثالثًا: أعمق الإشكالات المرتبطة بالتمييز الاجتماعي
قد تمتد مظاهر التهميش إلى ما يعتبره البعض شكلاً من أشكال التمييز الاجتماعي أو المجالي حين تُعطى الأولوية للمراكز الاقتصادية والسياحية على حساب الحاجيات الأساسية للساكنة، رغم أن هذه الأخيرة تعتبر صمام الأمان لأي نمو مستدام.
يشير الخبراء إلى أن عدم المساواة في البنية التحتية والخدمات بين مناطق داخل نفس الجماعة يعكس فجوات في الاستراتيجيات التنموية ينبغي معالجتها من منظور حقوقي وسياسي.
رابعًا: الحاجيات الأساسية للمنطقة
يمكن تجميع الحاجيات الملحّتة لـساكنة الأحياء الملحقة في:
1. تطوير شامل لشبكات النقل العام ونقاط توقف منتظمة في الأحياء.
2. تحسين البنية التحتية الأساسية (طرق، صرف صحي، إنارة، مياه).
3. فضاءات مفتوحة للأطفال والشباب (ملاعب، مراكز ثقافية ورياضية).
4. قُرب مؤسسات التكوين المهني والتعليم لتسهيل اندماج الشباب في سوق الشغل.
**5. آليات مشاركة حقيقية وشفافة لسكان الأحياء في التخطيط المحلي.
خامسًا: حلول عملية مقترحة
فيما يلي حلول قابلة للتطبيق إذا ما اعتمدت إرادة سياسية قوية وتعاون فعّال بين السكان والسلطات:
1. اعتماد مخطط تنموي مصغر لكل حي
كل حي ملحق يمكن أن يملك خطة تنموية مستقلة تشرف عليها شراكة بين السكان والجماعة، مع تحديد أولويات واضحة وخارطة زمنية للتنفيذ.
2. إنشاء لجنة استشارية محلية دائمة
وجود لجنة تمثل السكان في كل حي مع ممثلين عن الجماعة يساعد في رصد الاحتياجات الحقيقية ومتابعة تنفيذ المشاريع.
3. تخصيص موارد مالية مستقلة لغلاف تنموي لهذه الأحياء، مع مراقبة شفافة للنفقات.
4. برامج تكوين مهني مشتركة بالشراكة مع القطاع الخاص لتسهيل اندماج الشباب في سوق العمل.
5. دعم مؤسسات صحية وتعليمية أساسية في المناطق الملحقة بدون انتظار طويل.
ختامًا
المعاناة في الأحياء الملحقة بمدينة تيزنيت هي انعكاس لواقع أوسع في العديد من المدن المغربية حيث تتخلف بعض الأحياء عن مواكبة التنمية. هذا الوضع ليس مجرد نزاع محلي صغير، بل هو مؤشر على احتياجات حقيقية لإعادة النظر في أساليب التخطيط التنموي والعدالة المجالية. يتحقق التغيير الحقيقي حين تتضافر جهود المجتمع المدني، السكان، والمجلس المحلي لتحقيق تنمية عادلة ومستدامة للجميع.
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً.
تهميش الأحياء الملحقة بمدينة تيزنيت: واقع مؤلم وانتظار طويل للديمقراطية التنموية
شاركها.
فيسبوك
تويتر
لينكدإن
البريد الإلكتروني
واتساب

