
بقلم: الصحافي أمين بوشعيب/إيطاليا

لم يعد ما تقوم به وزارة العدل مجرد سوء تدبير أو أخطاء معزولة، بل أصبح سياسة واضحة المعالم. دفع مغاربة العالم، خطوة بعد خطوة، إلى فقدان ما تبقى لهم من ثقة واطمئنان وشعور بالانتماء القانوني إلى وطنهم. من ملف العقار المنهوب، إلى بطء وعدمية التقاضي، إلى انعدام أي حماية جدية لممتلكات الجالية، وصولاً اليوم إلى اتفاقيات نقل السجناء وتوسيع دائرة إدخال مغاربة الخارج قسرًا في منظومة قضائية يخافون منها أصلاً… تتراكم القرارات التي لا يمكن فهمها إلا في اتجاه واحد: قطع آخر خيط نفسي وقانوني يربط مغاربة العالم بالمغرب. وزير العدل، بدل أن ينشغل بإصلاح جذري يعيد الثقة في القضاء، اختار أن يشتغل بمنطق إداري بارد، يتعامل مع الجالية كـملف مزعج لا كمواطنين كاملي الحقوق. والنتيجة اليوم واضحة: مغاربة الخارج يخافون على أملاكهم، ولا يثقون في المسار القضائي، ولا يشعرون بأن الوطن يحميهم، ويُقصَون سياسيًا من التمثيل والقرار. حكومة أخنوش وكذا الحكومات السابقة، لا تحمي أبناءها، ولا تطمئنهم، ولا تضمن لهم العدالة، لا تقطع فقط علاقتهم بالإدارة، بل تقطع علاقتهم بالوطن نفسه. ما يجري اليوم ليس صدفة، وليس خطأ تقنيًا، وليس سوء تواصل. إنه مسار كامل لصناعة القطيعة لذلك، لم يعد غريبًا أن يتساءل مغاربة العالم، بقلق وغضب مشروعين: أيّ أجندات يخدمها وزير العدل؟
وأي منطق سياسي هذا الذي يدفعه إلى اتخاذ قرارات وتمرير سياسات لا تخدم لا الثقة في القضاء، ولا صورة المغرب، ولا مصلحة الجالية، ولا حتى الاستقرار القانوني للبلد؟ هل يخدم أجندة: تقليص عدد الملفات بدل حلّها؟ أو تصدير مشاكل المنظومة القضائية بدل إصلاحها؟ أم إرضاء شركاء أوروبيين على حساب طمأنة ملايين المغاربة بالخارج؟ أم أجندة تحويل وزارة العدل من حصن للحقوق إلى أداة تدبير إداري بارد للملفات الحساسة؟ إن مغاربة العالم لا يرون في قرارات الوزير المتراكمة أي رؤية لإعادة الثقة، بل يرون سلسلة خطوات منسجمة في اتجاه واحد: توسيع هوة الشك، وتعميق القطيعة، وتكريس الخوف من العودة القضائية إلى الوطن. وحين تتكرر نفس السياسات التي رُفضت في عهد مصطفى الرميد، وتُعاد اليوم بصيغة أخرى في عهد عبد اللطيف وهبي، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا وأقل براءة: هل المشكلة في الأشخاص… أم في اختيار سياسي ثابت يعتبر الجالية ملفًا مزعجًا يجب تدبيره بأقل كلفة، لا مواطنين يجب حمايتهم واحتضانهم؟ لذلك لم تعد خيبة أمل الجالية المغربية في الخارج مجرد شعور عابر، أو تذمّر موسمي مرتبط باستحقاق انتخابي، أو بخطاب رسمي فارغ. لقد تحوّلت إلى قناعة راسخة بأن الدولة المغربية، عبر حكوماتها المتعاقبة، لا تريد لمغاربة العالم أن يكونوا مواطنين كاملين، بل مجرد خزّان للعملة الصعبة، وبقرة حلوب تُستدعى عند الحاجة وتُقصى عند اقتسام القرار. فعلى مدى عقود، سُمعت الخطب الرنّانة عن “الكفاءات المغربية بالخارج” و”الدور الاستراتيجي للجالية” و”الارتباط المتين بالوطن الأم”. لكن حين نصل إلى الحقوق السياسية، والتمثيلية البرلمانية، والمشاركة الفعلية في القرار العمومي، تتبخر كلّ الخطب، وتبدأ سياسة الهروب والتسويف والتذرّع بالصعوبات التقنية الواهية. من حكومة إلى أخرى، من لون سياسي إلى آخر، لم يتغيّر شيء جوهري: نفس الإقصاء، نفس الوصاية، نفس التعامل الفوقي مع ملايين المغاربة المقيمين بالخارج. لا دوائر انتخابية للجالية، ولا تمثيلية حقيقية في البرلمان، ولا إشراك في صياغة السياسات العمومية التي تمسّهم مباشرة، ولا إرادة سياسية للاعتراف بهم كمواطنين كاملي الأهلية، لا كـ”مهاجرين” في الهامش. والأدهى من ذلك أن بعض الحكومات لم تكتفِ بالإهمال، بل حوّلت الإقصاء إلى سياسة ممنهجة، وكأن مشاركة مغاربة العالم في الحياة السياسية خطر يجب تجنّبه، لا حق دستوري يجب تفعيله. وهنا يبرز دور وزارة العدل، ليس كحامٍ لحقوق مغاربة العالم، بل – ويا للمفارقة – كفاعل أساسي في تصفية ما تبقى من روابطهم القانونية بوطنهم الأم. وبدل أن تكون الوزارة في طليعة المدافعين عن: حقهم في التقاضي العادل، وحماية ممتلكاتهم، وتبسيط المساطر، ومواجهة شبكات السطو على أراضيهم وعقاراتهم، نراها تصمت، أو تشرعن الأمر الواقع، أو تراقب من بعيد كيف يتحول المغرب، بالنسبة لكثير من أفراد الجالية، من وطن إلى مصدر قلق وخطر قانوني. فكم من مغربي مقيم بالخارج اكتشف أن أرضه سُطيت عليها؟ وكم من ملف عمر في المحاكم سنوات دون حكم؟ وكم من أسرة اصطدمت بجدار البيروقراطية والفساد والتواطؤ؟ ثم يأتي الخطاب الرسمي ليحدّثنا عن “تشجيع الاستثمار” و”ربط الجالية بوطنها”! فأي ربط هذا، إذا كان أول ما يستقبل به المغربي العائد إلى بلده هو الخوف من الإدارة، والخوف من القضاء، والخوف على ماله وحقوقه؟ هنا يطرح مغاربة العالم، ومعهم كثير من المغاربة داخل الوطن، سؤالًا لم يعد من الممكن الهروب منه: هل أصبح وزير العدل يمارس سلطته للتضييق على المواطن بدل أن يكون في خدمته؟ فبدل أن تكون وزارة العدل درعًا يحمي الضعيف، ويؤمّن المستثمر الصغير، ويطمئن الجالية على أموالها وحقوقها، نراها تتحول – بفعل القرارات والسياسات المتراكمة – إلى جهاز يزيد منسوب الخوف والقلق وانعدام اليقين. فأي منطق هذا الذي: لا يحسم في ملفات السطو على عقارات مغاربة الخارج، ولا يوفّر لهم مساطر سريعة وفعالة، ولا يعيد الثقة في القضاء. لكنه يجد الوقت والطاقة لتمرير اتفاقيات وقرارات توسّع دائرة تحكّم المنظومة في الأفراد بدل حمايتهم؟ إن التاريخ في هذا البلد علّمنا درسًا بسيطًا لكنه قاسيًا: هناك وزراء ومسؤولون شرّعوا قوانين ومرّروا سياسات لا تخدم مصالح المواطنين، بل ضيّقت عليهم وخنقتهم، ثم دار بهم الزمن فوجدوا أنفسهم يشربون من نفس الكأس التي قدّموها لغيرهم. القانون الذي يُفصَّل اليوم بمنطق القوة لا بمنطق العدالة، قد يتحوّل غدًا إلى سلسلة في عنق من صنعه. والسلطة التي تُستعمل للتضييق بدل الحماية، لا تبقى أبدًا في يد أصحابها إلى الأبد. لهذا، فإن ما يفعله وزير العدل اليوم، وما يمرّره من اختيارات وسياسات تمسّ حقوق الناس وأمنهم القانوني، قد لا يكون ثمنه سياسيًا فقط، بل أخلاقيًا وتاريخيًا أيضًا. فالدولة تُبنى بقوانين عادلة، لا بقوانين انتقامية أو إدارية باردة… والتاريخ لا يرحم من يخلط بين السلطة والخدمة العمومية.
فلاش: ما يجب أن يفهمه صُنّاع القرار، وفي مقدمتهم وزير العدل، هو أن مغاربة العالم ليسوا كتلة صامتة ولا خزّان عملة صعبة بلا كرامة. لقد بدأ الصبر ينفد، وبدأت أشكال الاحتجاج تتغيّر. السنة الماضية، قاطع عدد كبير من مغاربة الخارج قضاء عطلتهم في المغرب، ليس بسبب غلاء التذاكر فقط، بل كفعل احتجاج صامت على الإهانة القانونية، وعلى الخوف على الممتلكات، وعلى انعدام الثقة في الإدارة والقضاء. اليوم، لم يعد أحد يعرف كيف سيتصرّفون غدًا. هل ستكون المقاطعة أوسع؟ هل ستتجه فئات من الجالية إلى تدويل ملفاتها، أو طرق أبواب القضاء الأجنبي، أو الهيئات الحقوقية الدولية؟ هل سيتحوّل الغضب الصامت إلى حركة ضغط منظمة؟ ما هو مؤكّد أن مغاربة العالم لن يقفوا مكتوفي الأيدي وهم يرون آخر خيوط الثقة تُقطع أمام أعينهم.
الدولة التي تدفع أبناءها إلى اليأس، لا ينبغي أن تتفاجأ حين يبدأ أبناؤها في البحث عن وسائل أخرى للدفاع عن كرامتهم وحقوقهم.
