

بقلم: الصحافي أمين بوشعيب/ إيطاليا
لم تكن تصريحات وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، مجرد زلة لسان عابرة يمكن تجاوزها باعتذار سريع، بل بدت للكثير من مغاربة العالم تعبيراً صريحاً عن عقلية متجذرة داخل بعض دوائر السلطة، عقلية ترى في الجالية مجرد خزّان للعملة الصعبة، لا شريكاً وطنياً يستحق الاحترام والتقدير.
وقد وُصفت هذه التصريحات بـ “المستفزة” حيث استخدم فيها العبارة العامية «بالزعط” والتي تفيد اللامبالاة وعدم الاكتراث، وذلك للتقليل من شأن ملايين المغاربة الذين يعيشون خارج الوطن، والذين ظلوا لعقود يشكلون أحد أعمدة الاقتصاد الوطني. فهل نسي الوزير أن تحويلات مغاربة العالم ليست مجرد أرقام في تقارير رسمية، بل هي ثمرة تعب واغتراب وسنوات طويلة من الكد في المصانع والورشات والمهن الصعبة في بلدان المهجر؟
إن الجالية المغربية في الخارج ليست ضيفاً على الوطن، لكنها أيضاً ليست مجرد صراف آلي يُطلب منه ضخ الأموال دون أن يسمع كلمة تقدير أو يرى سياسات حقيقية تشجعه على الاستثمار. فمن غير المقبول أن يتحول الخطاب الرسمي من دعوة الجالية للاستثمار في بلدها الأم إلى خطاب يلمّح بأن ما تقوم به هو مجرد واجب لا يستحق حتى كلمة شكر.
والحقيقة أن مغاربة العالم لم ينتظروا يوماً تصفيقاً من أحد. فهم يعرفون أن علاقتهم بالمغرب علاقة وجدان وهوية وانتماء قبل أن تكون علاقة استثمار أو تحويلات مالية. لكن ما جرح مشاعر الكثيرين هو ذلك الاستخفاف الرمزي الذي حملته تصريحات الوزير، وكأن ملايين المغتربين مجرد أرقام بلا كرامة أو مواطنون من درجة ثانية.
لقد ظل الخطاب الرسمي المغربي لسنوات طويلة يتحدث عن أهمية الجالية وضرورة إشراكها في التنمية، وعن كونها جسراً اقتصادياً وثقافياً بين المغرب والعالم. بل إن الدستور المغربي نفسه أولى لهم مكانة واضحة حين أكد على ضرورة صيانة حقوقهم وتعزيز ارتباطهم بوطنهم الأم وتسهيل مساهمتهم في تنميته. لكن الواقع غالباً ما يكشف مفارقة مؤلمة. فحين يتعلق الأمر بالتحويلات المالية، تُفتح الأبواب وتُرفع الشعارات، أما حين يتعلق الأمر بالاحترام أو الإصغاء أو معالجة مشاكل الاستثمار والعقار والإدارة والقضاء، فإن الأبواب تغلق بسرعة.
إن ملايين المغاربة في أوروبا وأمريكا وكندا والخليج لم ينقطعوا يوماً عن بلدهم. بنوا البيوت، استثمروا في المشاريع، دعموا أسرهم، وضخوا مليارات الدراهم في الاقتصاد الوطني سنوياً. بل إن الكثير منهم ظل يدافع عن صورة المغرب في الخارج أكثر مما يفعل بعض المسؤولين في الداخل.
ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس مجرد توضيح لغوي أو تبرير إعلامي، بل مراجعة حقيقية لنظرة الدولة إلى الجالية المغربية. فمغاربة العالم أبناء هذا الوطن الذين حملوه في قلوبهم وهم يقطعون آلاف الكيلومترات بحثاً عن حياة أفضل.
وإذا كان بعض المسؤولين يعتقد أن استثمارات الجالية مجرد “واجب”، فإن الواجب الحقيقي على الدولة هو احترام مواطنيها أينما كانوا، والإنصات إلى مطالبهم، وتوفير بيئة عادلة وآمنة لاستثماراتهم. لأن الأوطان القوية لا تبنى بالاستخفاف بأبنائها…بل بالاعتراف بقيمتهم، والاعتزاز بما يقدمونه لوطنهم، سواء كانوا داخله أو خارجه.
إن الدور المنوط بوزير في حكومة يفترض أنها تعمل وفق روح الدستور ليس إطلاق تصريحات مستفزة أو التقليل من شأن فئة واسعة من المواطنين، بل القيام بدور جامع ومحفّز للاستثمار والتنمية. فالدستور المغربي يؤكد بوضوح على ضرورة رعاية مصالح مغاربة العالم وتعزيز ارتباطهم بوطنهم الأم وتشجيع مساهمتهم في التنمية الاقتصادية. ومن هذا المنطلق، كان يفترض في وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، أن يكون أول من يدافع عن صورة الجالية ويشجع استثماراتها ويثمن مساهماتها، لا أن يختزل مطالبها المشروعة في عبارات ساخرة أو توصيفات مستفزة. فالمسؤول الحكومي، وفق روح الدستور، ليس مجرد مدير قطاع إداري، بل هو ممثل للدولة بكل ما تحمله من مسؤولية في صون كرامة المواطنين داخل الوطن وخارجه. لكن يبدو، للأسف، أن الوزير نسي هذا الدور الدستوري، أو تناساه، حين اختار خطاباً لا يليق بمن يفترض أنه مسؤول عن جذب الاستثمار لا عن تنفير المستثمرين.
إن الحقيقة التي يعرفها الجميع هي أن الاقتصاد المغربي يعتمد بدرجة كبيرة على تحويلات الجالية. فكل سنة يضخ مغاربة العالم أكثر من 100 مليار درهم في شرايين الاقتصاد الوطني، وهي أموال تدعم الأسر، وتحرك الاستهلاك، وتساهم في استقرار العملة الوطنية. ولهذا فإن الاستخفاف بالجالية ليس مجرد خطأ سياسي، بل خطأ اقتصادي واستراتيجي فادح.
فلاش: وسط موجة الغضب التي اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي في أوساط مغاربة العالم، يبرز سؤال سياسي لا يقل أهمية: أين رئيس الحكومة من كل ما حدث؟ فالحكومة، من حيث المسؤولية السياسية، لا تتجزأ، وتصريحات وزير فيها تعكس بالضرورة صورة الفريق الحكومي ككل. فهل يوافق رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، على هذا الخطاب الذي اعتبره كثير من مغاربة العالم مهيناً ومستخفاً بمساهماتهم؟ أم أن الأمر مجرد زلة لسان ستبادر رئاسة الحكومة إلى توضيحها أو تصحيحها؟ إن صمت رئاسة الحكومة في مثل هذه القضايا يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة لدى ملايين المغاربة في الخارج، الذين ينتظرون من مؤسسات دولتهم خطاباً يليق بتضحياتهم وبالدور الاقتصادي الكبير الذي يلعبونه في دعم وطنهم. فاحترام الجالية ليس مجرد مسألة بروتوكولية، بل هو اختبار حقيقي لمدى جدية الدولة في اعتبار مغاربة العالم شركاء كاملين في الوطن لا مجرد مصدر للتحويلات المالية.

