بقلم : دومكسا فيصل
إن أخطر ما يواجه التنمية في مدننا ليس نقص الميزانيات ولا غياب الإمكانيات، بل غياب الوعي لدى فئة من المواطنين الذين يختزلون مستقبل المدينة في 200 درهم تُدفع يوم الانتخابات. هذا السلوك لا يمكن اعتباره مجرد “حاجة اجتماعية”، بل هو مشاركة مباشرة في صناعة الفساد وتمكينه من التحكم في مواقع القرار.
فالمواطن الذي يبيع صوته مقابل مبلغ زهيد، يسلّم المدينة بكاملها لمنتخب فاسد، ويمنحه شرعية نهب المال العام وتعطيل مشاريع المصلحة العامة. 200 درهم لا تحل البطالة، ولا تبني مستشفى، ولا تصلح مدرسة، لكنها في المقابل تضمن خمس سنوات من الفشل والتهميش وسوء التدبير.
المنتخب الفاسد، الذي يصل إلى الكرسي بفضل شراء الأصوات، لا يشعر بأي التزام تجاه المواطنين، لأنه يعلم أنه لم يُنتخب على أساس برنامج أو كفاءة، بل على أساس الرشوة الانتخابية. لذلك، يرفض المشاريع الحقيقية التي تخدم الصالح العام، ويتناسى حاجيات الساكنة، ويُفضل المشاريع التي تخدم مصالحه الشخصية ومصالح محيطه الضيق.
وتتحول التنمية إلى مجرد أداة انتخابية، حيث تُربط كل المشاريع بزمن الانتخابات. لا تخطيط، لا استمرارية، ولا رؤية مستقبلية.
كل خمس سنوات نبدأ من الصفر، ونضيع زمنًا تنمويًا ثمينًا كان يمكن أن يغيّر وجه المدينة. وهكذا تتجمد عجلة التطور، وتبقى المدينة أسيرة الوعود الكاذبة والشعارات الفارغة.
أما ما يُسمّى بالإنجازات، فغالبًا ما تكون إنجازات وهمية، تُعلن في الحملات الانتخابية وتُسوّق في الإعلام، لكنها لا تنعكس على الواقع اليومي للمواطن. طرق تتدهور بسرعة، مشاريع تُنجز على الورق فقط، ومرافق لا تقدم أي خدمة حقيقية. المستفيد الوحيد منها هو المنتخب الفاسد، بينما لا ينال المواطن منها سوى الخيبة.
بهذا الأسلوب، يتحول المشهد التنموي إلى لعبة قذرة بين أيدي الفاسدين، يكون المواطن فيها مجرد أداة تُستعمل يوم الاقتراع ثم تُرمى. وتدفع البلاد ككل ثمن هذا السلوك، حيث يتأخر التطور، وتضعف الثقة في السياسة، ويترسخ الإحباط لدى الشباب.
إن التنمية لا تُبنى بالرشوة، ولا تُشترى بالأموال، بل تُصنع بالوعي والمحاسبة واختيار الكفاءات. وصوت المواطن ليس سلعة، بل سلاح، إما أن يستعمله لبناء مدينته، أو يسلّمه طوعًا لمن يدمّرها.
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً.
شاركها.
فيسبوك
تويتر
لينكدإن
البريد الإلكتروني
واتساب

