
بقلم: الصحافي أمين بوشعيب/ إيطاليا
لم يعد ما يحدث في المغرب مجرد اختلالات معزولة أو قرارات غير موفقة، بل أصبح أقرب إلى نمط متكرر يثير القلق: كلما خرج المواطن مطالبًا بحقوقه المشروعة، جاءه الرد في الاتجاه المعاكس، وكأن صوته لا يُستدعى للاستجابة، بل للمواجهة. المغاربة لا يطلبون المستحيل. يطالبون بتعليم يحفظ كرامة أبنائهم، بقدرة شرائية تقيهم الذل، وبقرارات تُحترم فيها إرادتهم الجماعية. لكن الواقع يكشف مفارقة صادمة: المطالبة بالحق قد تتحول، في كثير من الأحيان، إلى سبب في مزيد من التضييق. في قطاع التعليم، خرج الأساتذة والطلبة والأسر مطالبين بإصلاح حقيقي لمنظومة أنهكتها التجارب الفاشلة. كان المنتظر فتح حوار وطني جاد، لكن ما حدث هو العكس: توتر، ارتباك، وقرارات متسارعة عمّقت الأزمة بدل حلها. النتيجة: تعليم عمومي يتراجع، وأسر تُدفع قسرًا نحو تعليم خاص يثقل كاهلها. أما القدرة الشرائية، فقد أصبحت الجرح المفتوح الذي ينزف يوميًا. مع كل موجة احتجاج على غلاء الأسعار، كان الأمل في تدخل يحد من المضاربات ويضبط السوق. لكن الواقع جاء بزيادات متتالية، وارتفاع غير مسبوق في تكاليف المعيشة، حتى باتت أبسط ضروريات الحياة عبئًا ثقيلاً على المواطن. وفي ملف الساعة الإضافية، تتجلى المفارقة بشكل صارخ. سنوات من الرفض الشعبي الواسع، خاصة لما لهذه الساعة من آثار سلبية على التلاميذ والطلبة والحياة اليومية، انتهت بقرار ترسيمها طيلة السنة. لم يكن ذلك مجرد قرار تقني، بل رسالة واضحة: رأي المواطن لا يغيّر مسار القرار. ولا تقف الأمثلة هنا: في القطاع الصحي، خدمات متعثرة وتكاليف علاج مرهقة، رغم الوعود بالإصلاح. في سوق الشغل، شباب يطالب بفرص حقيقية، فيواجه بواقع بطالة مستمرة. في تدبير الأزمات، من الجفاف إلى الجائحة، حيث يشعر المواطن أن العبء يُلقى عليه وحده، بينما تغيب العدالة في توزيع التضحيات. لكن الأخطر من كل ذلك، هو الإحساس المتنامي بأن المشكلة ليست فقط في السياسات، بل في العقليات التي تُدبّر هذه السياسات. تاريخيًا، كان المخزن جهازًا يقوم على فرض النظام وتأمين الولاء، وغالبًا ما اعتمد على الصرامة لضبط المجتمع. قد يقول البعض إن ذلك كان جزءًا من طبيعة الدولة في تلك الأزمنة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم بإلحاح: هل تجاوزنا فعلًا تلك العقليات، أم أننا فقط غيّرنا اللغة واحتفظنا بالمنطق نفسه؟ ليست المشكلة في استحضار الماضي، بل في ملامسته للحاضر. فالمواطن الذي كان يُنظر إليه كموضوع للضبط، لا كشريك في القرار، ما زال في كثير من الأحيان يشعر بأنه خارج معادلة الفعل السياسي. تغيرت المؤسسات، نعم، لكن هل تغيّرت طريقة التفكير؟ حين تُتخذ قرارات كبرى دون نقاش عمومي حقيقي، وحين تُقابل المطالب الاجتماعية بالتجاهل أو الالتفاف، وحين تغيب المحاسبة الفعلية، فإن الرسالة التي تصل إلى المواطن واضحة: أنت مطالب بالامتثال أكثر من المشاركة. من موقع الغربة، نتابع نحن مغاربة العالم هذا المسار بقلق. لسنا مجرد متفرجين، بل جزء من هذا الوطن، نساهم في اقتصاده ونحمل همومه. ونعي جيدًا أن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى بالصمت، بل بالثقة. ولا تُصنع الثقة إلا حين يشعر المواطن أن صوته مسموع، وأن كرامته مصونة. إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي دولة، ليس الاحتجاج في حد ذاته، بل فقدان الإيمان بجدوى الاحتجاج. حين يقتنع المواطن أن صوته لا يغيّر شيئًا، نكون أمام أزمة أعمق من كل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. المغرب اليوم أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في نفس النهج، حيث يُنظر إلى المطالب كإزعاج يجب احتواؤه، أو الانتقال إلى منطق جديد، يُعتبر فيه المواطن شريكًا حقيقيًا في القرار. في النهاية، لا يمكن بناء دولة قوية بشعب يشعر أنه مُقصى. ولا يمكن تحقيق تنمية حقيقية دون كرامة. فإما أن يُعاد الاعتبار لصوت المواطن، أو سنظل نكرر نفس السؤال، جيلاً بعد جيل: لماذا يُعاقَب من يطالب بحقه. وعلى الجملة، فالشعب المغربي، معروف بصبره وقوة تحمله، يواجه التحديات المتعددة في حياته اليومية. ورغم غنى البلاد، لا يزال الكثيرون يعانون من الفقر والبطالة. ومع تطلع المغاربة إلى حياة كريمة فإنهم سيواصلون النضال من أجل مستقبل أفضل، وتحقيق حياة أحسن رغم التحديات، مع الحفاظ على روحهم الإيجابية. فلاش: بعد تنفيذ الزيادة الثانية في أسعار المحروقات خرج فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، ليؤكد أن الحكومة “تتابع عن كثب” تقلبات أسعار الطاقة، وكأن المغاربة لا يعيشون هذه التقلبات يوميًا في جيوبهم لا في التقارير. وهو مشهد يتكرر حتى صار مملاً، حديث مطمئن على الورق، لكنه منفصل تمامًا عن واقع يزداد قسوة. فالحكومة، حسب قوله، اتخذت إجراءات للحفاظ على أسعار النقل والكهرباء، وغاز البوطان في مستويات ما قبل الأزمة، لكن المواطن لا يرى من هذه “الحماية” سوى فواتير متضخمة وأسعار تواصل الارتفاع بلا سقف. الأكثر إثارة للسخرية، أن الوزير نفسه تحدث عن دعم سخي لمهنيي النقل يصل إلى ثلاثة دراهم لكل لتر، بهدف إعادة الأسعار إلى ما كانت عليه قبل الأزمة. لكن أين اختفى هذا الدعم؟ ولماذا لم ينعكس على الأسعار التي يدفع ثمنها المواطن؟ الواقع يكشف مفارقة فاضحة: الدعم يُضخ بسخاء، لكن أثره يتبخر قبل أن يصل إلى المواطن، وكأن هناك من يحوّله إلى أرباح صافية بدل أن يكون أداة لتخفيف العبء. التقارير لم تتردد في وصف هذا الوضع بـ”الريع”، بما يؤكد أن جوهر هذه الحكومة هو الانتصار للوبيات مالية واقتصادية في قطاعات ومجالات مختلفة. هذا التوصيف ليس مبالغًا فيه بقدر ما هو تشخيص لخلل بنيوي، فبدل أن يكون الدعم وسيلة لحماية القدرة الشرائية، تحول إلى امتياز تستفيد منه فئة محدودة، بينما يُترك المواطن لمواجهة الغلاء وحيدًا. وهنا لا يعود السؤال عن نجاعة الدعم، بل عن الجهة التي تراقب، وعن الإرادة الحقيقية في ربط الدعم بالنتائج، لا بالشعارات.

