
بقلم: الصحافي أمين بوشعيب/إيطاليا

في الأسبوع المنصرم، أعلن رئيس الحكومة وزعيم حزب التجمع الوطني للأحرار، عزيز أخنوش، بشكل رسمي، عزمه اعتزال العمل السياسي والحزبي بعد انتهاء ولايته الحالية صيف السنة المقبلة، واضعًا بذلك حدًا لمسار سياسي امتد لعدة سنوات من التدبير والمسؤولية.
وأكد أخنوش أن قراره نهائي ولا رجعة فيه، مشددًا على أن التداول على المسؤوليات يُعد ممارسة صحية تعكس نضج العمل الديمقراطي داخل الأحزاب السياسية، وتسهم في ضخ دماء جديدة قادرة على مواصلة البناء.
وفي هذا السياق، أعلن حزب التجمع الوطني للأحرار عن عقد مؤتمر استثنائي يوم 7 فبراير المقبل بمدينة الجديدة، سيتم خلاله اختيار قيادة جديدة لقيادة الحزب في المرحلة المقبلة، في خطوة تُرتقب أن ترسم معالم توجهاته السياسية والتنظيمية المستقبلية.
هذا الإعلان المفاجئ، جعل كثيرا من السياسيين يتساءلون: لماذا اعتزل عزيز أخنوش السياسة؟
حين يُتداول خبر “اعتزال” عزيز أخنوش للعمل السياسي، لا يمكن التعامل مع الأمر كخبر عادي، ولا كقرار شخصي لرجل “تعب من السياسة”. نحن لا نتحدث عن موظف أنهكه الضغط، بل عن رئيس حكومة قاد واحدة من أكثر المراحل إيلامًا اجتماعيًا في تاريخ المغرب الحديث، ورجل أعمال يرمز إلى زواج السلطة بالثروة في أوضح وأوقح صوره. والسؤال ليس: لماذا يعتزل؟ السؤال الحقيقي هو: ممّ يهرب؟ وهل السبب الحقيقي في اتخاذ أخنوش قرار الاعتزال هو فتح المجال للتداول على المسؤوليات، والإسهام في ضخ دماء جديدة قادرة على مواصلة البناء.كما قال، أم أنه هروب متأخر من المحاسبة؟
لنسمِّ الأشياء بأسمائها: حكومة أخنوش هي حكومة الغلاء بامتياز، ففي عهده، ارتفعت أسعار المحروقات بشكل فاحش رغم تراجعها عالميًا في فترات كثيرة. وفي عهده، تآكلت القدرة الشرائية للطبقة الوسطى وسُحقت الفئات الهشة دون أي سياسة حماية اجتماعية حقيقية. وفي عهده، تحولت “الدولة الاجتماعية” إلى شعار إشهاري يُستعمل في الخطب بينما الواقع شيء آخر تمامًا. وفي عهده، استمر العبث بقطاعي الصحة والتعليم دون أي اختراق حقيقي، ودون أي شعور بالاستعجال أمام انهيار الخدمات العمومية.
هذه ليست دعاية معارضة. هذه وقائع يومية عاشها المغاربة في جيوبهم ومطابخهم وفواتيرهم. إذ كيف يمكن لرئيس حكومة: يملك واحدة من أكبر الإمبراطوريات الاقتصادية في المحروقات والفلاحة والتوزيع…أن يقنع المغاربة أنه يحكم ضد مصالحه؟ شركة “أفريقيا” للمحروقات ليست تفصيلاً. إنها قلب إشكال تضارب المصالح في هذه التجربة الحكومية. ومع ذلك: لم نرَ أي تحقيق سياسي جدي. ولم نرَ أي مساءلة برلمانية حقيقية. ولم نرَ أي شجاعة سياسية لطرح السؤال البسيط: من كان يستفيد من بقاء الأسعار مرتفعة؟
إن حكومة أخنوش لم تكن حكومة سياسية بالمعنى النبيل للكلمة، بل كانت: حكومة لوبيات اقتصادية تُدبِّر الدولة بمنطق المقاولة، لا بمنطق المصلحة العامة. حكومة التجمع الوطني للأحرار، ومعها حلفاؤها في الأصالة والمعاصرة والاستقلال، قدمت نموذجًا واضحًا: السوق قبل المواطن، والربح قبل العدالة الاجتماعية، التوازنات المالية قبل كرامة الناس. ثم يريدون اليوم إقناعنا بأن “الانسحاب بهدوء” هو تصرف عادي؟ في الدول التي تحترم نفسها، السياسي يرحل بعد المحاسبة، لا قبلها. أما عندنا، فيبدو أن القاعدة غير المكتوبة هي: افشل، أفقِر الناس، ارفع الأسعار، ثم انسحب بهدوء… وسيُطوى الملف.
هل سيُفتح ملف: المحروقات؟ الدعم العمومي الذي لم ينعكس على الأسعار؟ الصفقات؟ تضارب المصالح؟ الوعود الانتخابية التي تبخرت؟ أم أن “الاعتزال” سيكون تقنية مغربية أنيقة للفرار من المساءلة؟
إن الحقيقة التي يجب أن يعرفها المغاربة هي أن المشكلة ليست أخنوش وحده، ولنكن واضحين: أخنوش ليس سوى عرض لمرض أعمق. نحن أمام نمط يتكرر: رجل مال يدخل السياسة، يخلط الثروة بالسلطة، يستعمل الدولة لحماية مصالحه، ثم يغادر دون حساب. هذا هو فشل النموذج النخبوي المغربي: نخب المال، نخب الإدارة، ونخب الأحزاب التي تحولت إلى مقاولات انتخابية.
لنعد إلى طرح الأسئلة الحارقة، ولنقل إن السؤال الذي يجب أن يُطرح بوقاحة ليس: هل من حق أخنوش أن يعتزل؟ بل: من سيحاسب أخنوش؟ ومن سيحاسب حكومته؟ ومن سيحاسب هذا المسار كله؟ من يحاسب على الغلاء؟ من يحاسب على سحق الطبقة الوسطى؟ من يحاسب على تحويل السياسة إلى واجهة لتدبير المصالح الخاصة؟ من يحاسب على إفراغ الانتخابات من معناها حين يُستعمل المال والنفوذ؟
إذا غادر أخنوش المشهد السياسي دون محاسبة حقيقية، فهذه لن تكون نهاية مرحلة، بل: تأكيدًا رسميًا أن الفشل في هذا البلد لا يُعاقَب… بل يُكافَأ بالنسيان. وسيكون الدرس الذي سيتعلمه كل من سيأتي بعده بسيطًا وخطيرًا: احكم، افعل ما تشاء، ثم ارحل بهدوء… فذاكرة الدولة قصيرة، وذاكرة المحاسبة أقصر. أما المغاربة، فيبدو أن دورهم سيظل – إلى إشعار آخر – هو فقط: دفع الفاتورة.
فلاش: أخنوش يجب أن يُحاسَب على عقد ونصف من النفوذ، لا على خمس سنوات فقط. ويجب أن يُذكر بنكيران بالاسم كشريك سياسي في جزء من هذه المسؤولية. والتحايل الأكبر في النقاش الجاري هو محاولة حصر المسؤولية في عزيز أخنوش فقط الحكومة فقط. وكأن الرجل نزل علينا من السماء سنة 2021. إن لعزيز أخنوش شركاء في كل ما قلنا، ولذلك يجب محاسبتهم جميعا.
