
بقلم: ك.م / المغرب
من خلال لقاء نظمته رابطة خريجي المدارس المركزية والمدارس العليا بالمغرب
أثارت تصريحات وزير الصناعة والتجارة رياض مزور موجة من القيل والقال في بعض المنابر الإعلامية المغربية، وذهب البعض إلى اعتبارها تقليلاً من شأن الجالية المغربية بالخارج أو انتقاصاً من مساهمتها الاقتصادية. غير أن القراءة المتأنية لمضمون التصريح تبيّن أن الإشكال لا يكمن في الفكرة بقدر ما يكمن في طريقة تلقّيها وتأويلها.
حين قال الوزير، في ما معناه، إنه لا داعي للترحيب بمغاربة العالم في وطنهم، لأنه وطنهم أصلاً، فهذه ليست عبارة إقصاء، بل تأكيد على الانتماء الكامل. مغاربة الخارج ليسوا ضيوفاً موسميين، ولا مستثمرين أجانب نُفرش لهم السجاد الأحمر، بل هم أبناء هذا الوطن، لهم ما لباقي المواطنين من حقوق، وعليهم ما عليهم من واجبات. ومن هذا المنطلق، يصبح الترحيب بهم بصفة “استثنائية” أقرب إلى تناقض رمزي مع مبدأ المواطنة الكاملة.
أما في ما يتعلق بالتحويلات المالية، فلا أحد ينكر أنها ركيزة أساسية في دعم الاقتصاد الوطني، وتعزيز احتياطي العملة الصعبة، وتحريك عجلة الاستهلاك والاستثمار. لكن في المقابل، من الموضوعية أيضاً الإقرار بأن العلاقة ليست أحادية الاتجاه. فالمهاجر المغربي يستفيد بدوره من خدمات مالية وقانونية، ومن فرص استثمار، ومن استقرار بلده الأم، إضافة إلى دعمه لعائلته واقتناء عقارات أو إنجاز مشاريع شخصية. إنها علاقة تبادلية قائمة على المصالح المشتركة والانتماء العاطفي والوطني، لا علاقة مِنّة أو فضل.
الإشكال الحقيقي إذن ليس في الاعتراف بقيمة الجالية، فمكانتها راسخة ولا تحتاج إلى مزايدات، وإنما في الحساسية المفرطة تجاه أي خطاب يلامس هذا الموضوع. الجالية المغربية بالخارج تشكل قوة اقتصادية واجتماعية وثقافية، وهي أيضاً امتداد وعمق استراتيجي للمغرب في مختلف القارات. لكن قوتها لا تعني أنها فوق منطق الدولة أو فوق مبدأ المساواة بين المواطنين.
إن روح المواطنة تقتضي التوازن:
تقدير مساهمة الجالية دون مبالغة شعبوية، والاعتزاز بالانتماء دون تحويله إلى ورقة ضغط رمزية. فالمغرب ليس مجرد وجهة صيفية، ولا مجرد سوق استثمار، بل هو وطن جامع، يقوم على شعار ثابت: الله، الوطن، الملك.
من هذا المنطلق، يمكن فهم تصريحات الوزير باعتبارها رسالة تأكيد على الانتماء والمساواة، لا رسالة تنقيص أو استهداف. وربما كان المطلوب فقط مزيداً من الدقة في الصياغة، لأن قضايا الهوية والانتماء تُقاس كلماتها بميزان الذهب.
وفي النهاية، يبقى الأهم هو ترسيخ شراكة حقيقية بين الدولة ومغاربة العالم، قوامها الثقة والاحترام المتبادل، بعيداً عن منطق المزايدة أو سوء الفهم.

