
بقلم: الصحافي فؤاد السعدي
تستعد دوائر الجشع في قطاع المحروقات بالمغرب لتوجيه طعنة غادرة ومباشرة لجيوب المواطنين المنهكين عبر إقرار زيادة فلكية في أسعار الغازوال والبنزين تتجاوز درهمين دفعة واحدة، في مشهد يجسد ذروة الاستهتار بالقانون والعبث بمصير السلم الاجتماعي، إذ تمثل هذه الخطوة التي تدخل حيز التنفيذ منتصف ليل الأحد 16 مارس سطوا معلنا مكتمل الأركان يرتكب بدم بارد تحت غطاء مريب من الصمت الحكومي الذي يزكي تغول شركات التوزيع ويمنحها صكا على بياض لاستنزاف ما تبقى من قدرة شرائية لدى الطبقات الكادحة والمتوسطة على حد سواء، مما يحول الأزمات الدولية إلى وسيلة للاغتناء الفاحش على حساب الشعب الذي يجد نفسه وحيداً أمام غول الغلاء.
ويضرب هذا التطور الخطير عرض الحائط بكل المقتضيات القانونية المنظمة للأمن الاستراتيجي للمملكة، وعلى رأسها القانون رقم 71-09 الصادر سنة 1971 الذي يلزم شركات التوزيع باحترام مخزون احتياطي لا يقل عن ستين يوما من الاستهلاك الوطني، حيث يفرض المنطق القانوني السليم بقاء الأسعار مستقرة لمدة شهرين كاملين من تاريخ اندلاع أي أزمة دولية لكون المخزون الموجود حاليا في الخزانات قد جرى اقتناؤه بأسعار ما قبل الحرب، وهذا يجعل أي زيادة فورية في الثمن عملية مضاربة غير مشروعة تهدف إلى مراكمة أرباح خيالية من فرق السعر بين القديم والجديد، ويحول مخزون الأمان من درع واقية للمواطن إلى ريع طاقي يستغله الأباطرة لنهب المقدرات اليومية للمغاربة في عز الأزمة.
ويكشف هذا الاستهتار الصارخ عجزا حكوميا فاضحا في فرض هيبة الدولة وتفعيل مقتضيات الظهير الشريف رقم 1.72.255 الذي يقر عقوبات زجرية وغرامات مالية ثقيلة على كل شركة تخل بواجب توفير مخزون الأمان، فغياب لجان المراقبة التابعة لوزارة الانتقال الطاقي عن معاينة المستودعات وفرض البيع بالسعر الأصلي يطرح علامات استفهام حارقة حول طبيعة العلاقة التي تربط صناع القرار بلوبي المحروقات، إذ يبدو أن مصالح الشركات أصبحت مقدمة على أمن المواطن الطاقي وقوته اليومي مما يكرس منطق “السيبة” في قطاع استراتيجي لا يقبل التلاعب، ويؤكد أن القانون يطبق فقط حين يتعلق الأمر بحقوق الدولة بينما تغمض العيون حين تنتهك حقوق الشعب من طرف حيتان التوزيع.
وتتجاوز تداعيات هذه الزيادة حدود محطات الوقود لتشكل “تسونامي” اقتصاديا سيعصف بكل سلاسل الإنتاج والنقل والمواد الغذائية مما يهدد بإشعال فتيل تضخم جامح لا يمكن احتواؤه بوعود وتصريحات جوفاء، ويمثل تمرير هذه الصاعقة في ظرف ساعات اعترافا ضمنيا بسقوط شعارات الدولة الاجتماعية أمام تغول المصالح الضيقة التي تقتات على أوجاع الفقراء، وتظل هيبة الدولة اليوم على المحك فإما إجبار هذه الشركات على احترام القانون والوفاء بمخزون الستين يوما بالسعر القديم أو الإقرار صراحة بترك الشعب وحيداً في مواجهة غيلان لا تشبع، في بلد أصبحت فيه القوانين تُطبق بصرامة على الضعفاء وتُحنى الرؤوس أمام أباطرة المحطات الذين لا يرون في المواطن سوى رقم في معادلة أرباحهم السنوية.
