(2) مقال راي
تُعدّ تيزنيت من المدن المغربية التي تمتلك رصيدًا مهمًا من المؤهلات الطبيعية والثقافية والاقتصادية، ما يجعلها نظريًا منطقة واعدة للاستثمارات الأجنبية. غير أن الواقع يكشف عن محدودية هذه الاستثمارات وتعثر عدد من المشاريع، وهو ما يطرح سؤالًا ملحًا حول أسباب هذا الوضع وكيفية تجاوزه.
—

1. بنية تحتية غير مواكِبة لطموحات الاستثمار
رغم الجهود المبذولة خلال السنوات الأخيرة، ما تزال البنية التحتية الاقتصادية في تيزنيت دون المستوى المطلوب لجذب المستثمر الأجنبي.
أبرز الإشكالات تتمثل في:
– غياب مناطق صناعية مجهّزة بمعايير حديثة.
– ضعف الربط اللوجستي بين المدينة وباقي المراكز الاقتصادية الكبرى.
– محدودية الخدمات الأساسية في بعض الجماعات المحيطة.
هذه العوامل تجعل المستثمر يقارن بين تيزنيت ومدن أخرى أكثر جاهزية، فيختار وجهات بديلة.
2. تعقيدات المساطر الإدارية
تُعدّ البيروقراطية أحد أبرز العوائق أمام الاستثمار في المغرب عمومًا، وفي تيزنيت بشكل خاص.
من بين أبرز الإشكالات:
– طول مدة دراسة الملفات الاستثمارية.
– تعدد المتدخلين وتضارب الاختصاصات.
– بطء منح الرخص المرتبطة بالبناء والاستغلال والبيئة.
– غياب رقمنة شاملة للإجراءات.
المستثمر الأجنبي يبحث عن الوضوح والسرعة، وأي تأخير يُترجم إلى كلفة مالية إضافية.
3. غياب رؤية اقتصادية محلية واضحة
تعاني المدينة من غياب استراتيجية موحدة لجذب الاستثمار الأجنبي، سواء على مستوى الترويج أو تحديد القطاعات ذات الأولوية.
وتبرز هنا عدة نقاط:
– ضعف الترويج للفرص الاستثمارية المتاحة.
– غياب دراسات قطاعية دقيقة في مجالات مثل السياحة، المعادن، الصناعة التقليدية، والطاقات المتجددة.
– غياب شراكات قوية بين القطاعين العام والخاص.
بدون رؤية واضحة، يصبح الاستثمار مغامرة غير محسوبة بالنسبة للمستثمر الأجنبي.
4. إشكالات العقار: عقدة المشاريع الاستثمارية
العقار هو العمود الفقري لأي مشروع، وفي تيزنيت يشكل أحد أكبر التحديات:
– ندرة العقار المهيكل والقابل للاستثمار.
– ارتفاع الأسعار في بعض المناطق.
– نزاعات الملكية وغموض الوضعية القانونية لبعض الأراضي.
– بطء مساطر التهيئة ونزع الملكية.
هذه الإشكالات تجعل العديد من المشاريع تتوقف قبل أن تبدأ.
5. محدودية الموارد البشرية المؤهلة
رغم توفر يد عاملة محلية، إلا أن بعض القطاعات تحتاج إلى كفاءات متخصصة غير متوفرة بشكل كافٍ في المنطقة.
ويظهر ذلك في:
– نقص التكوين المهني المتخصص.
– هجرة الكفاءات نحو المدن الكبرى.
– ضعف الربط بين مؤسسات التكوين وحاجيات السوق.
المستثمر الأجنبي يحتاج إلى بيئة بشرية جاهزة، لا إلى تكوين من الصفر.
6. عوامل سياسية ومؤسساتية
لا يمكن إغفال تأثير العوامل السياسية على مناخ الاستثمار، ومنها:
– ضعف التنسيق بين الجماعات الترابية، العمالة، والمركز الجهوي للاستثمار.
– تأثير الحسابات الانتخابية على بعض المشاريع.
– غياب الاستمرارية في السياسات العمومية عند تغيّر المجالس.
هذه العوامل تخلق حالة من عدم اليقين لدى المستثمر.
7. مظاهر تعثّر المشاريع الأجنبية في تيزنيت
تظهر آثار العرقلة في عدة مظاهر ملموسة:
– مشاريع سياحية توقفت بسبب مشاكل العقار أو الرخص.
– مبادرات صناعية لم ترَ النور لغياب مناطق مجهزة.
– مشاريع في الطاقات المتجددة تعطلت بسبب المساطر البيئية.
– مستثمرون أجانب غادروا المنطقة بعد سنوات من الانتظار.
هذه الحالات تضر بصورة المدينة وتضعف جاذبيتها الاستثمارية.
8. نحو تجاوز العرقلة: ما الذي يجب فعله؟
لتحويل تيزنيت إلى قطب استثماري حقيقي، لا بد من إصلاحات جريئة تشمل:
– رقمنة المساطر وتبسيطها.
– تطوير البنية التحتية الصناعية واللوجستية.
– توفير عقار مهيكل بأسعار تنافسية.
– تعزيز التكوين المهني وربطه بحاجيات المستثمرين.
– تحسين الحكامة المحلية وتفعيل آليات التتبع والتقييم.
– إطلاق استراتيجية ترويجية قوية للمدينة على المستوى الوطني والدولي.
—
خلاصة
عرقلة الاستثمارات الأجنبية في تيزنيت ليست نتيجة عامل واحد، بل هي حصيلة تداخل بنيوي وإداري وسياسي وثقافي.
ورغم التحديات، فإن المدينة تمتلك مؤهلات قوية تجعلها قادرة على التحول إلى فضاء اقتصادي واعد، إذا توفرت الإرادة السياسية والرؤية الواضحة والإصلاحات الضرورية.


