
بقلم: الصحافي فؤاد السعدي

لم تكن تصريحات “باتريس موتسيبي”، رئيس الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، مجرد شهادة إدارية في حق المملكة المغربية، بل كانت ورقة نعي رسمية لخطاب المظلومية الذي تقتات عليه اتحادات وأبواق إعلامية أدمنت العيش في عتمة الكواليس. حين يخرج هرم السلطة الكروية في القارة ليقول بصوت جهوري إن المغرب هو المنقذ الذي يحمي بطولات “الكاف” من الفناء والاندثار، فهو لا يوزع ورودا بالمجان، بل يصفع وجوها اعتادت الاختباء خلف الشعارات الرنانة، بينما عجزت على مدار عقود عن تشييد ملعب واحد أو رصيف طريق بمواصفات تحترم آدمية اللاعبين والجماهير.
من المضحك المبكي، بل ومن قمة السخرية، أن نرى دولا طالما نظمت بطولات قارية وسط الأدغال، حيث الملاريا تفتك بالوفود، والأفاعي تشارك اللاعبين غرف غسيل الملابس، وعلى أرضيات ملاعب تشبه حقول الحرث العشوائية، ومع ذلك لم يجرؤ أحد على فتح فاه بكلمة احتجاج واحدة. لسنوات، كان الفشل التنظيمي يعتبر نكهة إفريقية مقبولة، لكن، ما إن حطت القارة رحالها في المغرب، حيث البنية التحتية التي تضاهي كبريات العواصم الأوروبية، والفنادق التي تصنف ضمن الأيقونات العالمية، والقطار فائق السرعة “البراق” الذي يطوي المسافات بلمح البصر، حتى بدأت تخرج أصوات النشاز المذعورة لتتحدث عن سوء الاستقبال.
فعن أي سوء تنظيم يتحدث هؤلاء المتباكون؟ هل أزعجهم كرم الضيافة المغربي الأصيل من تمر وحليب وورود؟ أم أن الزرابي الحريرية التي فرشت تحت أقدامهم كانت أنعم مما تتحمله جلود اعتادت خشونة الحصى والوحل؟ إنها صدمة حضارية بامتياز هزت كيان من ألفوا العشوائية؛ فالمغرب حين علا السقف لم يكتف بتنظيم بطولة رياضية، بل قدم درسا في السيادة التنظيمية كشف للعالم أن هناك فرقا شاسعا بين دولة المؤسسات التي تبني للمستقبل، وبين كيانات لا تزال تعيش في العصور الوسطى بعقلية الضفادع.
أن يخرج منتخب أو اتحاد ليشتكي من فندق بخمس نجوم، أو يطالب بوقاحة بخرق قوانين “الكاف” الصارمة من أجل التدرب في ملعب النهائي لغرض البهرجة الفارغة، هو قمة السقوط القيمي والرياضي. صحيح أن هؤلاء إنهم لا ينتقدون نقصا ملموسا، بل ينتقدون كمالا أحرجهم أمام شعوبهم؛ على اعتبار أن المواطن في تلك الدول بدأ يتساءل، لماذا يملك المغرب قطارا ينقل المنتخبات كأنها في حلم، بينما نغرق نحن في الزحام والأوبئة؟”. اليوم الهجوم على النجاح المغربي هو في الحقيقة محاولة بائسة لترميم العورات التي انكشفت، فمن اعتاد العيش في المستنقعات يزعجه بريق المرايا، والضفدع مهما حاولت إكرامه في القصور، يظل يحن إلى رائحة الطين والوحل والمستنقعات، لأن الاستقامة في بيئة نظيفة تشكل خطرا على وجوده.
اليوم المغرب يدفع ضريبة تفوقه، وثمن رؤية ملكية استراتيجية استثمرت في الحجر والبشر قبل سنوات طويلة من وصول هؤلاء إلى منصات الشتم. الحقيقة التي نطق بها “موتسيبي”، وبصمت عليها واقعية الميدان، هي أن إفريقيا انقسمت اليوم إلى فئتين لا تلتقيان، فئة المغرب التي تحلق في سماء العالمية وتستعد لمونديال 2030 بثقة الكبار، وفئة أخرى تكتفي بالنباح من قاع الفشل التاريخي. لقد رفع المغرب السقف إلى حد لم يعد معه التنظيم مجرد استضافة، بل أصبح تحديا وجوديا لبقية القارة. فإما العمل واللحاق بالركب، أو الاستمرار في ذرف دموع التماسيح، فقافلة التنمية المغربية تسير بسرعة الضوء، ولن تتوقف لتنتظر من اختاروا بإرادتهم البقاء في وحل الماضي.
