
بقلم: ك.م
حين تصطدم البروباغندا بجدار الواقع، لا تقع مجرد هفوة عابرة، بل تحدث كارثة إعلامية كاملة الأركان. هذا بالضبط ما حدث لبعض الوفود والمشجعين الجزائريين الذين دخلوا المغرب وهم محمّلون بشعارات “القوة الضاربة” و“أجمل بلد في العالم”، ليكتشفوا منذ اللحظة الأولى أن ما لُقّن لهم لسنوات لم يكن سوى رواية هشة، انهارت أمام أول احتكاك بالحقيقة.
لم يحتج الأمر إلى تقارير دولية أو تحليلات اقتصادية معقدة. كاميرا هاتف، جولة في متجر، أو رحلة قصيرة على الطريق السيار كانت كافية لإسقاط الأقنعة وتبديد الأوهام.
جاؤوا بحثًا عن “النخبة”، فوجدوا أنفسهم—دون قصد—يوثّقون انبهارهم بالبنية التحتية، ووفرة الغذاء، وتنظيم المدن، وحتى بأبسط تفاصيل الحياة الكريمة التي طالما قيل لهم إنها مفقودة خلف الحدود.
من “صدمة الموز” إلى “رعب الأوطوستراد”، مرورًا بقطار البراق الذي قلب كل المعايير، عاش هؤلاء ما يمكن تسميته دون مبالغة بـالصدمة الحضارية.
أكثر المشاهد إثارة للسخرية تلك التي انتشرت كالنار في الهشيم على مواقع التواصل: مشجعون تشبعوا لسنوات بخطاب “نحن أحسن من المروك”، يقفون مذهولين أمام رفوف ممتلئة بالخضر والفواكه، أصناف، ترتيب، أسعار… وكأنهم أمام اكتشاف جغرافي جديد. أحدهم صرخ ببراءة فاضحة:
“هذا موز حقيقي… ماشي ديال كرتون!”
هذه ليست لقطة تسوق عادية، بل لحظة انكسار نفسي لمواطن قادم من بلد نفط وغاز، يكتشف أن الجار الذي صُوِّر له على أنه جائع يمتلك وفرة فلاحية وصادرات متنامية تشهد بها الأرقام لا الشعارات.
ولم تتوقف الصدمة عند الغذاء. على الطرق السيارة، انقلب المشهد إلى فضيحة أخرى. بدل الحديث عن كرة القدم، راح بعضهم يمتدح جودة الطرق، الإنارة، التنظيم المروري، وجمالية العمران. الكاميرا لم تكذب، واللسان أفلت قبل أن يتذكر أصحابه “التعليمات”.
أما المحاولة اليائسة لتسويق صورة مغشوشة، فتمثلت في سعي بعض أفراد الوفد الرسمي إلى تصوير زوايا ضيقة لبنايات قديمة، بحثًا عن مشهد يخدم سردية مسبقة. لكن الرد جاء سريعًا: مغاربة يصورون نفس الأماكن من زاوية أوسع، كاشفين مشاريع ومنشآت حديثة في الخلفية. النتيجة؟ انسحاب مرتبك وصمت فاضح.

وتبلغ المفارقة ذروتها عند البراق. قطار فائق السرعة أصبح رمزًا للفارق التنموي. مشجع جزائري يقف مذهولًا أمام محطة الرباط أكدال، يسأل بارتباك:
“هل هذا قطار صيني؟”
فيأتيه الجواب البسيط القاتل:
“قطار مغربي بتكنولوجيا فرنسية… هل لديكم مثله؟”
الصمت… ثم القفز السريع إلى خطاب “الأخوة بين الشعوب” كلما حاصرت الحقيقة أصحابها.
هنا تتجلى الميوعة الحقيقية: ليست في الدهشة، بل في العجز عن الاعتراف بالواقع. في الانفصام بين خطاب عدائي جاهز وما تراه الأعين على الأرض. والدليل أن قنوات جزائرية اضطرت إلى قطع البث عن مشجع بدأ يمدح الأمن والتنظيم وهدوء الشوارع، لأن الحقيقة أصبحت خطرًا على البروباغندا.
المفارقة الساخرة أن “القوة الضاربة” التي تدّعي الصلابة والهيمنة، باتت ترتجف أمام هاتف محمول في يد مشجع بسيط.
في النهاية، هذه المشاهد ليست مادة للضحك فقط، بل مؤشر صارخ على فوارق التنمية والواقع الاجتماعي. المغرب لم يحتج إلى تلميع أو دعاية؛ الضيوف قاموا بالمهمة بأنفسهم.
جاؤوا ليصوّروا الجوع… فوثّقوا الرخاء.
جاؤوا ليصوّروا التخلف… فوثّقوا الحداثة.
وجاؤوا بحثًا عن النقص… فوجدوا الحقيقة عارية من الشعارات.
ويبقى السؤال المشروع:
هل سيصل الخوف من الحقيقة يومًا إلى حد منع المواطنين من السفر، فقط حتى لا يكتشفوا أن “القوة الضاربة” ليست سوى أسطورة إعلامية؟

