
بقلم: الصحافي فؤاد السعدي

يتساءل المتتبع للشأن السياسي المغربي اليوم بكثير من الريبة عن سر هذه الصحوة المفاجئة التي دبت في عروق قيادة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فالحزب الذي لزم صمتا مريبا طيلة نصف الولاية الحكومية، خرج فجأة عبر رئيس فريقه البرلماني ليرمي بكرات النار في حجر الوزير فوزي لقجع، متهما إياه بتسخير المال العام لخدمة أجندات حزبية ضيقة. هذا التحول من المهادنة الناعمة إلى المعارضة الشرسة يطرح علامات استفهام كبرى حول التوقيت والخلفيات، ويدفعنا لمكاشفة حقيقة ما يجري داخل مطبخ إدريس لشكر السياسي، الذي يبدو أنه سقط في فخ الذكاء التكتيكي لأخنوش.
لقد ظل لشكر، ومنذ إعلان نتائج انتخابات 2021، يمارس سياسة الانتظار في قاعة الإنعاش، حيث لم يترك بابا إلا وطرقه، ولا إشارة غزل إلا وأرسلها نحو عزيز أخنوش، طمعا في تعديل وزاري يمنحه تذكرة العودة إلى جنة الاستوزار. وبدلا من أن يمارس الحزب دوره الطبيعي كقوة معارضة تاريخية، اختار دور الاحتياطي المستعد للعب في أية لحظة، واضعا نفسه تحت إشارة “سي عزيز”. والحقيقة أن صمت لشكر الطويل لم يكن مجانيا، بل كان ثمنا لوعود تلقاها من أخنوش بضمه إلى التشكيلة الحكومية المقبلة، وهي الوعود التي جعلت لشكر يضع الحزب في وضعية المعلق على قشة الأمل. وبمجرد إعلان أخنوش النزول من على صهوة جواد السياسة حتى تغيرت النبرة تماما، وانتقل الخطاب اتحاد لشكر من البحث عن التوافق إلى البكاء على أطلال العدالة المجالية والإنصاف الاجتماعي.
لكن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن الاتحاد، فمع بروز مستجدات تشير إلى قرب انسحاب أخنوش من المشهد السياسي، تبخرت كل تلك الأماني ووجد لشكر نفسه خارج اللعبة بامتياز؛ فلا هو نال حظه من الحكومة الحالية، ولا هو ضمن مكانا في القادمة. هنا يظهر ذكاء أخنوش الذي نجح في شراء هدوء الاتحاد لسنوات بوعود لم يكن يملك أصلا الوفاء بها، ليجد لشكر نفسه في موقف المغرر به سياسيا، ما دفعه للخروج في السنة الأخيرة من الولاية الحكومية لاستعراض عضلاته في محاولة يائسة لترميم ما يمكن ترميمه.
المقارنة هنا تبدو موجعة ومهينة للتاريخ حين نضع اتحاد لشكر في كفة، واتحاد المهدي بنبركة وعبد الرحيم بوعبيد في الكفة الأخرى. فالحزب الذي كان يوما ما مدرسة لتخريج المناضلين الذين يؤدون ثمن مواقفهم من حريتهم وحياتهم، تحول في النسخة “اللشكرية” إلى ما يشبه وكالة تجارية للبحث عن التموقع، حيث تُفصّل المواقف على مقاس الحصة من الكعكة الحكومية. وبالتالي، فاتهام لقجع بتوظيف الميزانية انتخابياً هو اعتراف متأخر جداً يطرح سؤالاً قاسياً: أين كان هذا الحرص على المال العام عندما كان لشكر يبتلع لسانه بانتظار مكالمة هاتفية تزف إليه خبر الإستوزار؟
اليوم، يكشف استنجاد الحزب بوزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، لمطالبته بالتدخل وزجر الاستغلال الانتخابي للمشاريع، بوضوح عن حالة الرعب السياسي التي يعيشها الحزب من ظاهرة التغول. لشكر يدرك جيدا أنه أصبح أعزلا، بلا حقائب تمنحه الجاذبية الانتخابية، وبلا خطاب معارض مقنع بعد سنوات من التملق السياسي. لذا، فإن هذا الصراخ الحالي ليس دفاعا عن الشعب، بل هو صرخة استغاثة ومحاولة أخيرة لفتح باب الاستوزار بالضغط مستقبلا بعدما فشل منطق الرضى، وهي مناورة مكشوفة لن تنطلي على المواطن الذي يعي جيدا أن الغيرة على المال العام لا تولد فجأة في ربع الساعة الأخير، إلا إذا كان هناك غرض في نفس يعقوب السياسي.
الأكيد أن الممارسة السياسية في عهد لشكر فقدت بوصلتها الأخلاقية، بعدما تم اختزالها في تكتيكات ظرفية تفتقر للنفس الاستراتيجي؛ فالمعارضة الحقيقية تبنى على الوضوح والاستمرارية في المواقف، لا على الانقضاض الموسمي على الملفات بمجرد استشعار الإقصاء من كعكة التدبير. وما نشهده اليوم من لشكر ورفاقه ليس سوى رقصة الوداع لمنطق الاستوزار الذي كان يرجوه الحزب بالمهادنة، ومحاولة بائسة لفتح باب السلطة بالضغط في أفق 2026 بعدما أغلق باب الرضى. غير أن ما يغيب عن حسابات لشكر ودائرته الضيقة هو وعي المواطن المغربي، الذي يكتوي بنار غلاء المعيشة وتآكل القدرة الشرائية؛ فهذا المواطن لم تعد تنطلي عليه مناورات ربع الساعة الأخير، لأنه يدرك جيدا أن الغيرة على المال العام لا تهبط وحيا في السنة الختامية للولاية الحكومية، إلا إذا كان في نفس يعقوب السياسي مآرب أخرى لا علاقة لها بمصلحة الوطن.
المستقل
