
بقلم : دومكسا فيصل
عرف إقليم تيزنيت خلال السنوات الماضية إطلاق عدد من المشاريع الفلاحية التي قُدِّمت باعتبارها رافعة للتنمية المحلية وتحسين أوضاع الفلاحين الصغار. غير أن الحصيلة، في نظر عدد من المتتبعين والمهتمين بالشأن المحلي، تبدو بعيدة عن الأهداف المعلنة، خاصة في ظل حديث متزايد عن صرف ميزانيات ضخمة دون تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.
أموال طائلة… ونتائج محدودة
خُصصت اعتمادات مالية مهمة في إطار برامج وزارة الفلاحة، خاصة خلال فترة إشراف الوزير السابق عزيز أخنوش على القطاع. كان الهدف المعلن هو تثمين الموارد المحلية، وعلى رأسها شجرة الأركان، وتحسين دخل الفلاحين، وتطوير البنيات التحتية المرتبطة بالأنشطة الفلاحية والسياحية.
لكن الواقع، بحسب آراء منتقدين، يُظهر أن عدداً من هذه المشاريع لم يحقق الاستدامة المطلوبة، بل إن بعضها توقف أو تعثر بعد فترة قصيرة من إطلاقه.
مشروع غرس الأركان… استثمار طويل الأمد دون مواكبة كافية؟
يُعد مشروع غرس أشجار الأركان من أبرز الأوراش التي رُوِّج لها كخيار استراتيجي لتنمية المناطق الجنوبية. غير أن شجرة الأركان تحتاج سنوات طويلة قبل أن تبدأ في الإنتاج، ما يتطلب دعماً مستمراً في السقي والحماية من الرعي الجائر.
منتقدو المشروع يرون أن الدعم المرتبط بالمياه والبنيات الأساسية لم يكن كافياً أو مستمراً، وهو ما أدى – حسب تعبيرهم – إلى تلف عدد من الشتلات، خاصة في المناطق التي تعاني من شح الموارد المائية. كما يشيرون إلى أن غياب آليات فعالة لحماية الأشجار من الرعي ساهم في إضعاف نتائج المشروع.
نزع الملكية… جدل قانوني واجتماعي
أثار تطبيق قوانين نزع الملكية في بعض المناطق نقاشاً واسعاً. فهناك من يعتبر أن بعض الأراضي التي تضم أشجار الأركان أو غطاءً نباتياً معيناً صُنّفت ضمن الملك العمومي، مما ترتب عنه فقدان بعض الفلاحين لأراضٍ كانوا يعتبرونها ضمن ممتلكاتهم، حتى وإن كانت محفظة.
هذا الجدل يعكس إشكالية أعمق تتعلق بالتوازن بين حماية الموارد الطبيعية وضمان حقوق الساكنة المحلية، خاصة الفلاحين الصغار الذين يعتمدون على هذه الأراضي كمصدر رزق أساسي.
المسالك السياحية… بنية تحتية بلا استغلال محلي؟
من بين المشاريع المنجزة أيضاً شق مسالك وطرق قروية في مناطق جبلية. ورغم أهمية البنيات التحتية في فك العزلة، إلا أن بعض الأصوات المحلية ترى أن عدداً من هذه المسالك أُنجز في مناطق بعيدة عن التجمعات السكانية، مما حدّ من استفادة الساكنة منها بشكل مباشر.
كما يطالب فاعلون محليون بتقييم شامل لمدى ملاءمة هذه المشاريع لأولويات الساكنة، ومدى مساهمتها الفعلية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
التعاونيات… بين الطموح والتعثر
شهد الإقليم كذلك إنشاء ودعم تعاونيات فلاحية، خاصة المرتبطة بمنتجات الأركان والمنتجات المجالية. غير أن تغير القوانين أو شروط الاستفادة من الدعم – بحسب بعض المتضررين – أدى إلى صعوبات مالية وإدارية، ما جعل عدداً من هذه التعاونيات عاجزاً عن الاستمرار.
ويرى منتقدون أن غياب المواكبة التقنية والتسويقية الحقيقية أفرغ فكرة التعاونيات من مضمونها، وجعل بعضها مجرد واجهات شكلية لا تنعكس إيجاباً على دخل المنخرطين.
الحاجة إلى تقييم شفاف وربط المسؤولية بالمحاسبة
إن أي سياسة عمومية، خصوصاً حين ترتبط بميزانيات بمليارات الدراهم، تحتاج إلى تقييم دوري مستقل وشفاف يحدد مكامن الخلل ويصحح المسار. التنمية الفلاحية في مناطق مثل تيزنيت لا يمكن أن تنجح دون إشراك حقيقي للساكنة المحلية، وضمان عدالة الولوج إلى الدعم، وحماية صغار الفلاحين من الهشاشة.
المطلوب اليوم، بحسب العديد من الفاعلين، ليس فقط إطلاق مشاريع جديدة، بل مراجعة ما أُنجز، والوقوف عند أسباب التعثر، وتحديد المسؤوليات بوضوح، حتى لا تبقى التنمية مجرد شعارات، بينما يظل الفلاح البسيط الحلقة الأضعف في المعادلة.
في النهاية، يبقى السؤال الجوهري: كيف يمكن تحويل الموارد الطبيعية والميزانيات المرصودة إلى تنمية حقيقية ومستدامة تعود بالنفع على ساكنة الإقليم، لا على فئة محدودة فقط؟

