
الدكتور عادل بن حمزة

عرفت فرنسا قبل أيام زلزالا سياسيا وقضائيا من خلال الحكم على زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبين بالسجن أربع سنوات وغرامات مالية بالإضافة إلى منعها من الترشح لرئاسة فرنسا لمدة خمس سنوات.
البعض اعتبر هذا الحكم بمثابة تصفية سياسية لزعيمة مزعجة بأدوات قانونية، بينما رأى آخرون أنه أمر عادي وأن لا أحد فوق القانون. نظرية المؤامرة قد تكون مقبولة في سياق الصراع السياسي، لكن أن يتحول الأمر إلى التشكيك في القضاء في دولة مثل فرنسا، فهذا ربما أحد الأوجه الأكثر خطورة في هذا الموضوع، خاصة وأن البعض يقول بأن مواجهة اليمين المتطرف يجب أن تكون داخل المجتمع وفي صناديق الاقتراع بدل ردهات المحاكم والقرارات الإدارية.
ما يحدث في فرنسا يحدث أعقد منه في رومانيا، إذ قررت هيئة الانتخابات المركزية في رومانيا في التاسع من آذار/مارس الماضي منع المرشح اليميني المتطرف كالين جورجيسكو من الترشح في انتخابات الرئاسة التي تم إلغاء نتائجها في كانون الأول/دجنبر الماضي وتقرر إعادتها في أيار/مايو المقبل.
علما أن جورجيسكو كان هو الفائز في الانتخابات الرئاسية الرومانية التي جرت في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي. هذه الأحكام والقرارات التي صدرت في أوربا ضد زعماء اليمين المتطرف، تذكرنا بالمسار القضائي الطويل الذي قطعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد إنتهاء ولايته الأولى، فبينما اعتقد الديمقراطيون أن ذلك سيدمره سياسيا، كانت النتائج عكسيا تماما، حيث استثمر ترامب مظلوميته في النيل من مؤسسات الدولة العميقة وسط موجة تضامن يمينية واسعة. هذا الوضع يدخل في سياق ما يشهده العالم اليوم من تصاعدً غير مسبوق لتيارات اليمين المتطرف، خاصة في الديمقراطيات الغربية، حيث تستغل هذه التيارات التغيرات الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن العولمة، وانحسار دور الدولة الوطنية، وانعدام الثقة في المؤسسات التقليدية. ومع كل استحقاق انتخابي، تتجدد المخاوف من نجاح هذه القوى في توسيع نفوذها، مما يطرح تحديًا سياسيًا عميقًا حول كيفية مواجهتها ضمن الأطر الديمقراطية.
قبل البحث عن سبل مواجهة هذا التيار بأدوات السياسة والديمقراطية، يجدر البحث عن الأسباب والعوامل التي تساهم في بروز وتصاعد شعبية هذا التيار. مثال ذلك نجد كيف أثرت العولمة بشكل جذري على الاقتصادات الوطنية، حيث تسببت في تفكيك الصناعات المحلية في بعض الدول، مما أدى إلى تزايد معدلات البطالة في الأوساط العمالية وفقدان وظائف كانت تُعتبر آمنة لعقود. ومع صعود التقنيات الحديثة والذكاء الصناعي، تعمقت المخاوف من عدم القدرة على مواكبة هذه التحولات، مما خلق شعورًا عامًا بعدم الاستقرار الاقتصادي. وقد استغلت تيارات اليمين المتطرف هذا القلق المتنامي، عبر تقديم تفسيرات مبسطة تُحمّل المهاجرين أو المؤسسات الدولية مسؤولية هذه الأوضاع، في حين أن المشكلات الحقيقية أكثر تعقيدًا وترتبط ببنية الاقتصاد العالمي.
التحديات الاقتصادية لم تكن وحدها هي التي زادت من شعبية اليمين المتطرف، بل أيضًا التحولات السياسية التي أضعفت مفهوم السيادة الوطنية. مع تزايد قوة المنظمات والاتحادات الإقليمية مثل الاتحاد الأوروبي، وتوسُّع نفوذ الشركات متعددة الجنسيات وبعدها شركات التكنلوجيا العملاقة، وبذلك بات المواطنون يشعرون بأن حكوماتهم فقدت القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة لصالح شعوبها. وقد استغل الخطاب القومي المتطرف هذا الشعور، مقدمًا نفسه كبديل قادر على استرجاع “السيادة” من خلال سياسات انعزالية ورفض للمؤسسات فوق الوطنية.
إن التصدي لليمين المتطرف في صناديق الاقتراع لا يمكن أن يعتمد فقط على التنديد الأخلاقي أو التحذير من خطورته، بل يتطلب سياسات واستراتيجيات واضحة تعالج المشكلات التي تغذي صعوده، مثل إعادة صياغة السياسات الاقتصادية تضمن عدالة اجتماعية حقيقية، مثل إصلاح سوق العمل، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتعزيز المواطنة الجامعة والمساواة بعيدا عن النزعة القومية الضيقة، إضافة إلى ضرورة الاعتراف بالحاجة إصلاح النظام السياسي وبناء الثقة في ظل تزايد الشكوك في الديمقراطية التقليدية خاصة بين الشباب والفئات المهمشة، غير أن عملية الإصلاح هذه لا يمكن أن تنجح دون القدرة على التصدي للتضليل الإعلامي والذي توظف فيه اليوم المنصات الاجتماعية الكبرى التي يقودها متعاطفون مع التيارات اليمينية المتطرفة والشعبوية، مما يساعد على انتشار واسع للأخبار المضللة والدعاية المغرضة. وسط انحسار تأثير وسائل الإعلام التقليدية بما لذلك من انعكاس مباشر على شفافية نزاهة ما تفرزه صناديق الاقتراع.
لذلك فإن مواجهة اليمين المتطرف ليست مجرد حسابات انتخابية، بل هي معركة طويلة للحفاظ على القيم الديمقراطية والتعددية والانفتاح. لأن المجتمعات التي تتجاهل هذا التحدي قد تجد نفسها في مواجهة مستقبل سياسي أكثر اضطرابًا، حيث تتحول الديمقراطية من أداة لحماية الحقوق إلى وسيلة لتقنين الإقصاء والتطرف.