بقلم: الصحافي أمين بوشعيب/إيطاليا

شهد المغرب خلال العقود الماضية تحولاتٍ سياسيةً واقتصاديةُ واجتماعيةُ كبرى، كان من المفترض أن تفتحَ البابَ أمام ترسيخ الممارسةِ الديمقراطيةِ وتعزيزِ المشاركةِ السياسية. غير أن الواقعَ الحاليَ يوحي بعكس ذلك تمامًا، حيث يواجهُ البلد ما يمكن تسميته:”موتُ السياسة”، أو على الأقلّ، دخولُها في حالة غيبوبةٍ عميقةٍ. فما مظاهرُ هذا الموتِ السياسيّ؟ وما أسبابُه؟ وهل ثمة أفقٌ للخروج من هذا الانسداد؟ إن من أول مظاهر موت السياسة في المغرب: العزوف الشعبيّ الواسع، والذي يتجلى في انخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات، والتي باتت تعكس فقدانًا عامًا للثقة في العملية السياسية برمّتها. فالمواطن المغربي لا يرى فرقًا يُذكر بين الأحزاب، ولا يلمس أثرًا حقيقيًا لصوته في السياسات العمومية. وثاني هذه المظاهر: الفراغ الحزبيّ وغياب البدائل حيث تآكلت الأحزاب السياسية المغربية -سواء التقليدية أو التي نشأت في العقدين الأخيرين- وانغمست في الصراعات الداخلية و التنافس على المواقع، دون تقديم برامج واقعية أو تجديد لخطابها. ففقد كثير منها وظيفته التمثيلية والتحفيزية، ليصبح مجرد أداة لتزكية السلطة أكثر منه صوتًا للشارع. وأما ثالّث هذه المظاهر: فهو هيمنة الإدارة على القرار السياسي، إذ يظهر بشكل واضح أن السلطة الفعلية في البلاد لا توجد في يد الفاعلين المنتخبين، بل في يد المؤسسات غير المنتخبة، مما يجعل البرلمان والحكومة أقرب إلى واجهات شكلية في كثير من الأحيان. وأخيرا وليس آخرا، نجد أن التعبير السياسي من خلال الشارع بات محفوفًا بالمخاطر، حيث يتم تجريم أي حراك أو تعبير شعبيّ مما عمّق شعور الإحباط وزاد من عزوف المواطن عن السياسة. هذه بعض مظاهر موت السياسة في المغرب. وأما الأسباب فتبدو أعمق بكثير، تتطلب وقفة صادقة وشجاعة ممن يهمّهم الأمر. وإن من أخطر الأسباب التي أراها السبب الرئيس في هذا العطب المزمن الذي تعاني منه السياسة في المغرب، هو ما تعرضت وتتعرض له الأحزاب من احتواء وتدجين، حيث إن هاتين العمليتين تمّتا بطريقة ممنهجة غايتها تحييد الفعل الحزبي، وذلك عبر تدخلات مباشرة أو غير مباشرة في تشكيل التحالفات والقيادات، مما أفرغ الحياة السياسية من معناها الحقيقي.
ثمّ إن النموذج التنموي غير العادل، والفشل المتكرر في تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، وتآكل الحريات وتضييق النقاش العمومي، وتجفيف ينابيع الحوار الديمقراطي .. كلّ هذا جعل من الخطاب السياسي الرسمي مجرد كلام إنشائي، لا يترجم إلى تغيير في حياة المواطن، مما أفقد الشعب الثقة بالسياسة والسياسيين.
وعلى العموم، فالمشهد السياسي المغربي، منذ سنوات، وهو ينحدر بسرعة مخيفة نحو القاع، لكن المنعطف الأخطر كان مع صعود نماذج شعبوية جعلت من الصراخ بديلاً عن الفكرة، ومن النكتة بديلاً عن البرنامج، ومن الشعبوية الرخيصة بديلاً عن السياسة. وليس المقصود هنا أشخاصاً بعينهم بقدر ما هو نمط كامل من “السياسيين“، لكن أسماء مثل شباط وبنكيران ليست سوى أعراض فاقعة لمرض عميق، تجلّى في اختزال السياسة في النكتة والتهريج والصراخ والتراشق اللفظي، وغياب النقاش حول الفوارق الطبقية والفقر والهشاشة والمديونية وبطالة الشباب، والبرامج والنماذج التنموية والتعليم والصحة والاقتصاد، وغياب النقاش الفكري والإيديولوجي الحقيقي.
وهو النقاش الذي غاب مع غياب رجال ومفكرين كبار من أمثال: محمد عابد الجابري وعلال الفاسي والمهدي بن بركة والمهدي المنجرة وإدريس بنعلي (رحمهم الله جميعا). وبالمقابل صعد الخطابان العاطفي التبسيطي، والشعبويّ الفجّ الذي يبيع الوهم ويغازل الغرائز. فصار الطريق مفتوحاً أمام كلّ من يملك لساناً طويلاً وصوتاً عالياً وفراغاً فكرياً. فحين تحوّل حزب تاريخي مثل حزب الاستقلال في مرحلة حميد شباط إلى منصة للتهريج السياسي والصراخ الشعبوي، لم يكن ذلك حادثاً معزولاً، بل إشارة بداية الانحدار الكبير، حزب وطني عريق يُختزل في خطاب المقاهي، ونظريات المؤامرة، والتراشق اللفظي. ثم جاء الدور على حزب العدالة والتنمية، الذي ركب موجة الغضب الشعبي، وقدم نفسه كبديل “أخلاقي”، لكنه في الواقع مارس أكبر عملية تبسيط مخادع للسياسة، حين حوّل النقاش العمومي إلى مسرحية “التماسيح والعفاريت”. اختزل الدولة في شخص رئيس الحكومة، واختزل الإصلاح في خطب حماسية بلا نتائج. وإما إذا كان هناك مثال فاضح على كيف تُغتال الأحزاب من الداخل وتُحوَّل إلى ملكيات خاصة، فهو بلا شك ما فعله إدريس لشكر بحزب الاتحاد الاشتراكي. حزب كان يوماً مدرسة وطنية لتكوين النخب، ورافعة للنضال الديمقراطي، وضم أسماء ثقيلة في تاريخ المغرب السياسي والفكري، صار اليوم مجرد ملحق إداري باسم “الكاتب الأول”، بلا روح، بلا خط، وبلا وزن سياسي حقيقي.
السياسة في المغرب لم تمت ميتة طبيعية، ولم تنتهِ لأنها استنفدت دورها، ولا لأنها فقدت ضرورتها التاريخية. السياسة في هذا البلد تم اغتيالها اغتيالاً منظماً، حين جرى تعويضها بالتهريج، والشعبوية، وتفاهة الخطاب، ورداءة النخب، وتحويل الأحزاب إلى دكاكين انتخابية، والانتخابات إلى طقس بلا روح. والآن تعالوا جميعا (كل المغاربة الأحرار سواء داخل الوطن أو خارجه) لنتساءل: ما العمل؟ وكيف يمكن إنقاذ الحياة السياسية في المغرب، إن كان ما زال في البلد من يريد إنقاذ السياسة؟
لنتفاءل ونقل: إنه على الرغم من قتامة الصورة، فإن موت السياسة في المغرب ليس قدرًا حتميًا. هناك فرص لإعادة إحيائها، شرط أن يتم: تحرير الفعل الحزبي من الوصاية وتمكين الأحزاب من أداء دورها التمثيلي والتأطيري الحقيقي، وتوسيع الهامش الديمقراطي عبر ضمان الحريات الإعلامية والمدنية. وإعادة الاعتبار لصوت المواطن من خلال ربط المحاسبة بالمسؤولية، وربط المسؤولية بمشروع واضح، وتعزيز الشفافية في تدبير الشأن العام، والإنصات للمطالب الاجتماعية والثقافية عوض القمع أو التهميش.
فلاش: لنكن صرحاء حتى النهاية، هذه الحكومة (أعني حكومة أخنوش) ليست سوى حصاد سنوات من التخريب السياسي الممنهج، هي ليست انحرافاً عن القاعدة، بل التجسيد الأوضح لها. فهي لم تسقط علينا من السماء، بل خرجت من رحم نفس الحياة الحزبية المعطوبة، ونفس الرداءة التي راكمناها، ونفس الشعبوية التي صفق لها كثيرون بالأمس. إنها لم تأتِ لتقطع مع ما قبلها، بل جاءت لتتوج عشر سنوات من إفراغ السياسة من معناها، ومن تحويل الأحزاب إلى آلات انتخابية، ومن تدمير الثقة بين المواطن والعمل السياسي. هي ليست بداية الأزمة… بل مرحلة من مراحل تعفنها.
من يلعن هذه الحكومة اليوم وينسى من صنع شروط ولادتها، كمن يسبّ الثمرة الفاسدة وينسى الشجرة المريضة. الجميع متورط، والجميع مسؤول، والجميع ساهم – بالفعل أو بالصمت أو بالانتهازية – في الوصول إلى هذا الحضيض. فلا يحق لأحد أن يتظاهر بالبراءة، ولا يحق لأي حزب أن يلعب دور الضحية. وما دامت نفس القواعد، ونفس الأحزاب، ونفس منطق الرداءة بلا محاسبة، فإن أي حكومة قادمة ستكون مجرد نسخة أخرى من هذا الفشل، بأسماء مختلفة وأساليب تواصل مختلفة، ولكن بالفراغ نفسه.
الأزمة عميقة جدا، تتجاوز الحكومة إلى أخطر منها، إنها أزمة سياسة تُحتضر أو تُغتال. … وإن الملاعب، والمهرجانات، لا يمكن لها أن تعوّض غياب السياسة. وامتلاء المدرجات بالجماهير كذلك، لا يمكن له أن يُنسي فراغ المؤسسات. والأهداف في الشباك لا يمكن أن تعوّض الغياب الفاضح للأهداف في الحكم الذي ينبغي أن يكون رشيدا.
