

بقلم: الدكتور عادل بن حمزة
ترمي الأزمات المتتالية التي يعرفها العالم سواء البيئية أو السياسية أو الصحية أو الأمنية أو الجيوسياسية، بتحديات إقتصادية كبيرة على عاتق الدول، وكلما تصاعدت حدة الأزمات، كلما تراجع القطاع الخاص وظهرت الحاجة إلى الدولة؛ ليس فقط لتلبية الطلب الاجتماعي المتصاعد، ولكن أساسا لتحمل المسؤولية السياسية وتقديم الحساب، فالقطاع الخاص لا يحضر في الغالب سوى في لحظات الرخاء لتوزيع المكاسب، فهل تنجح الدولة دائما أمام إزدواجية المواقف من تدخلها في الشأن الاقتصادي؟
يعيدنا هذا السؤال إلى تجربة الدولة الرأسمالية والأزمات التي عرفها نظامها منذ الكساد الكبير (1870-1896)، مرورا بأزمة 1929 وأزمة النمور الأسيوية نهاية التسعينات والأزمة التي عاشتها الأرجنتين بداية الألفية الجديدة، وصولا إلى الأزمة المالية لسنة 2008، حيث شكلت تلك الأزمات قناعة لدى الباحثين، مضمونها أن أزمات الرأسمالية تتجاوز الطابع الدوري الذي درج الرأسماليون المحافظون على تقديمه كمبرر، إلى واقع العطب البنيوي الذي يعرفه اقتصاد السوق، ما جعل الدولة تعود تدريجيا إلى واجهة الاقتصاد، ليس فقط من موقع التحكيم والضبط، ولكن من موقع أكثر جرأة ومبادرة خاصة في البلدان النامية.
إن الأزمة المالية والاقتصادية التي عاشها العالم بوضوح منذ 2008 ولازالت آثارها مستمرة إلى اليوم، أكدت مرة أخرى أن للدولة دورا محوريا في الاقتصاد الكلي، ويعتبر نموذج الولايات المتحدة الأمريكية أبرز مثال على فشل السوق لوحده في تحقيق توازنه، حيث اضطرت الولايات المتحدة الأمريكية وهي مركز اقتصاد السوق “المثالي”، إلى نهج سياسات للتأميم والحمائية (رسوم ترامب) من أجل إنقاذ مؤسسات مالية ومصانع من الإفلاس المحقق، وشكل الحفاظ على مناصب الشغل وإحداث مناصب جديدة، أبرز الشعارات التي وقفت وراء الممارسات الاقتصادية الجديدة، وعلى شاكلة الولايات المتحدة الأمريكية، سارعت العديد من الدول إلى تكريس تدخل قوي للدولة في الاقتصاد بغية التخفيف من تداعيات الأزمة وبحث أفضل السبل لإعادة تنشيط الاقتصاد.
لقد تطورت مساهمة القطاع العمومي في الناتج الداخلي الخام (PIB) في الدول الصناعية بشكل لافت، إذ انتقلت من 12% سنة 1913 إلى 45% سنة 1995 أي سنوات قبل الأزمة المالية العالمية، ومع ذلك لم تكن مسألة تدخل الدولة في الاقتصاد مسألة مقبولة عند العديد من الاقتصاديين، وخاصة التوصيات التي كانت تقدمها المؤسسات المالية الدولية لدول العالم الثالث، فشكل التقابل بين السوق والدولة محور نقاشات ووجهات نظر عكست مواجهات إيديولوجية وسياسية وأكاديمية، فكانت البرجوازية الصاعدة نهاية القرن الثامن عشر مع الثورة الصناعية ممثلة بالكلاسيكيين والنيوكلاسيك، من أكثر المتحمسين لدور السوق وقدرته على معالجة أعطابه بصفة مستقلة عن الدولة، باختلاف كتاباتهم منذ أدم سميث.
لم يكن هذا الطرح ليصمد طويلا خاصة بعد التحولات التي عرفها الاقتصاد نفسه، وجملة كان أنصار تدخل الدولة يعتبرون أن التحول الذي عرفه الاقتصاد، وخاصة أن الآثار الخارجية تحد من إمكانية إعطاء السوق إشارات سعرية مناسبة، وهذا ما يترتب عنه ضعف القدرة على تقدير كلفة الانتاج والموارد المستخدمة فيه وبالتالي فإن الأسعار تصبح غير قادرة على عكس التكلفة الحقيقية، مما ينعكس سلبا على الاستهلاك وبالنتيجة على التشغيل، فتدخل الدولة يعالج نقص المعلومات في السوق، ويضمن للاقتصاد البعد الاجتماعي والانساني، ويحد من سلطة الربح كموجه وحيد للاستثمار، خاصة مع ظهور الرأسمالية المالية والاقتصاد المبني على المضاربة والمبتعد عن الاقتصاد الحقيقي.
إنه وبالرغم من هذه التدخلات لم تستطع الدولة أن تحقق هدف التشغيل الكامل، بل أصبحت البطالة كنتيجة طبيعية لفشل السياسات الاقتصادية وللتحولات التي تعرفها آليات الإنتاج مع دخول الروبوتات والذكاء الاصطناعي، واحدة من أبرز انشغالات الدولة لأسباب اجتماعية وأمنية واقتصادية، وقد بادر المنتظم الدولي الى إرساء آليات ومؤسسات لتنشيط سوق العمل من خلال اتفاقيات منظمة العمل الدولية، وذلك لتدارك أعطاب سوق الشغل، لكنها في غالبيتها اليوم أصبحت متجاوزة ولا تحمل أجوبة عن التحولات الهيكلية المتسارعة التي يعرفها سوق الشغل، وهو ما يكرس مسؤولية الدولة واستمرارية هذه المسؤولية أمام الطلب الاجتماعي المتزايد على الشغل، ويبقى السؤال كيف يمكن مواجهة هذا الواقع المعقد في ظل التراجع المستمر لدور الدولة الاقتصادي، بما يحمله ذلك من مخاطر على الاستقرار؟
