
بقلم: الدكتور عادل بن حمزة

عادة ما تكون الرياضة أداة لإصلاح ما أفسدته السياسة، ولعل النموذج الذي أظهرته الكوريتان الجنوبية والشمالية، يمثل أجمل ما يمكن للرياضة أن تمثله من نبل ومن رسالة للسلام، فرغم العداء بين بيونغ يانغ وسيول والذي لا يحتاج إلى تفصيل، فإن العلاقة بين البلدين على المستوى الرياضي تقدم صورة جميلة ربما تفاجئ كثيرين، ففي نيسان (أبريل) 1991، شكلت الكوريتان أول فريق رياضي موحد لبطولة العالم لتنس الطاولة التي نظمت في اليابان، وفاز فيها فريق الزوجي النسائي بالميدالية الذهبية. وفي حزيران (يونيو) من العام نفسه، شكلت الكوريتان أيضا فريقا موحدا لبطولة العالم للشباب لكرة القدم في البرتغال، وبلغ الفريق المشترك دور ربع نهائي المسابقة، وفي حفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية الصيفية في سيدني في عام 2000، دخل الوفد المشترك بين الكوريتين إلى الملعب تحت العلم الكوري الموحد، وهو علم أبيض في وسطه خريطة شبه الجزيرة الكورية باللون الأزرق، ثم في الألعاب الأولمبية الشتوية التي نظمت في بيونغ تشانغ في كوريا الجنوبية سنة 2018، سار الوفد المشترك للكوريتين معا في حفل الافتتاح مع تشكيل منتخب مشترك لهوكي السيدات.
هذه هي الصورة الجميلة التي تجعل من الرياضة صانعة للأمل وسط بيئة سياسية وجيواستراتيجية معقدة، تحكمها المصالح وتنفخ كيرها الأيديولوجيا العمياء.
في نهائي كأس إفريقيا للأمم بالعاصمة المغربية الرباط قبل أسبوعين، كادت الرياضة أن تفسد علاقات عميقة بين المغرب والسنغال، أو على الأقل كان ذلك أمل من كان منزعجا من نجاح البطولة الباهر ومن وصول منتخبي البلدين إلى المباراة النهائية، لكن عمق العلاقات الثنائية وحكمة القيادة السياسية في المغرب والسنغال أعادت الأمور إلى نصابها الطبيعي باعتبار ما جرى في النهائي يبقى مجرد مقابلة في كرة القدم، تحتمل الربح والخسارة، حملت تجاوزات مشينة، لكنها في النهاية تبقى خاضعة لقواعد تلزم الجميع، وكل من اعتبر نفسه متضررا، فله الحق في أن يسلك المسار القانوني القاري والدولي الذي ينظم اللعبة.
قبل نهائي كأس إفريقيا بدا للبعض، أن العلاقات المغربية السنغالية تجتاز مرحلة دقيقة، خصوم البلدين كانوا يمنون النفس أن تكون للتحولات السياسية الداخلية التي عرفتها السنغال بعد خسارة الرئيس السابق ماكي سال للرئاسة ووصول ديوماي فاي إلى السلطة، انعكاسات على مواقف دكار الخارجية وخاصة في علاقتها التقليدية مع الرباط كنموذج للعلاقات الثنائية في غرب أفريقيا، هذه العلاقة التي تم التأكيد مجددا على متانتها وصلابتها من خلال النجاح الكبير للجنة العليا المشتركة بين البلدين والتي انعقدت في الرباط قبل يومين تحت الرئاسة الفعلية لرئيسي حكومتي البلدين، والتي فتحت آفاقا جديدة للعلاقات الثنائية.
الذين لا يعرفون عمق العلاقات بين البلدين ممن كانوا يتوهمون أنها تقف على نتيجة مباراة في كرة القدم، أو أنها تتأثر تغييرات سياسية داخلية، يكفي التذكير بلحظة تنصيب الرئيس باسيرو ديوماي فاي بديامينياديو قرب العاصمة دكار، والتي شكلت مناسبة للتذكير بالطابع الاستثنائي للعلاقات المغربية السنغالية التي تتجاوز الجوانب السياسية والاقتصادية، إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث تحضر الجوانب الثقافية والدينية ممثلة في الزوايا الصوفية بشكل قوي، كركائز لعلاقات ثنائية مثالية ونموذجية على مستوى القارة الأفريقية ككل، إذ عبر البلدان على مدى عقود، سواء من خلال علاقاتهما الثنائية أو المتعددة الأطراف، عن التزامهما بالوحدة الإفريقية وأهمية التعاون جنوب جنوب والتضامن بين دول القارة..
الطابع الاستثنائي للعلاقات بين الرباط ودكار تمثل في فرادة الدعوة التي وجهت للعاهل المغربي لحضور حفل تنصيب الرئيس المنتخب، وهي دعوة استثنائية، ذلك أن السلطات السنغالية اختارت أن يقتصر حضور الحفل على زعماء دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، ومؤسسات الاتحاد الأفريقي ممثلة في الرئيس الموريتاني محمد ولد الغزواني الذي كان يتولى رئاسة الاتحاد الأفريقي، وموسى فقي الذي كان يتولى رئاسة المفوضية الإفريقية، وبذلك يكون المغرب البلد الوحيد من خارج المنطقة الذي تمت دعوته لمراسيم التنصيب، وقد حضر باسمه ممثلا للعاهل المغربي، رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش مرفوقا بوزير الخارجية ناصر بوريطة، وكان المسؤولان المغربيان من أوائل المسؤولين الأجانب الذين استقبلهم الرئيس السنغالي الجديد على هامش حفل التنصيب.
العاهل المغربي أكد في برقية التهنئة التي وجهها للرئيس السنغالي المنتخب على أن ما يربط بين شعبي البلدين، من وحدة مصير وقيم مشتركة، يستند إلى رصيد ثقافي وروحي متين، ليشكل ركنا ثابتا في العلاقات الثنائية. مع تقدير العاهل المغربي للعمق التاريخي الذي يطبع تلك الأواصر المتينة القائمة على الأخوة والتضامن والتقدير المتبادل، مؤكدا على أن الروابط المتميزة التي تجمع بين المغرب والسنغال تعد إرثا قيما ما فتئ البلدان الشقيقان يحرصان على صونه والحفاظ عليه.
انتخاب المعارض السابق باسيرو ديوماي فاي، حمل مخاوف لدى بعض المتتبعين للعلاقات المغربية السنغالية، بحيث كانت هناك تساؤلات عن كيفية تعاطي القيادة الجديدة في دكار مع حليف استراتيجي كالمغرب، خاصة في ظل ما عرفته بعض دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا من اضطرابات سياسية في السنوات الأخيرة، وما حملته تلك الاضطرابات من تغييرات جوهرية على مستوى العلاقات الخارجية مثل المواقف التي عبرت عنها القيادات العسكرية الجديدة في كل من بوركينافاسو ومالي والنيجر من الوجود الفرنسي في منطقة الساحل والصحراء، أو تلك التي تم اتخاذها من قبل مالي اتجاه الجزائر بعد إلغاء مسار الجزائر المتعلق بالجماعات الانفصالية في شمال مالي، بالإضافة إلى تعزيز الدور الروسي في المنطقة. البعض كان يعتقد أن كل من دكار والرباط يؤسسان علاقاتهما الثنائية، فقط، على جودة العلاقات الشخصية بين قائدي البلدين، بينما حرص المغرب دائما على أن يكون بعيدا عن الشؤون الداخلية للسنغال، في مقابل الحرص المستمر على أن دكار ستجد في كل مناسبة، الدعم والسند من المغرب، بغض النظر عن من يوجد في السلطة، ونجح المغرب والسنغال دوما في عبور المراحل الانتقالية وانعكاسها على العلاقات الثنائية، نجح ذلك عند الانتقال من الزعيم ليوبولد سنغور إلى عبده ضيوف ومن هذا الأخير إلى معارضه عبد الله واد، وكذلك كان بين هذا الأخير ومعارضه ماكي سال وهو ما يتكرر اليوم عند الانتقال من الرئيس سال إلى الرئيس باسيرو.
نجحت السنغال منذ استقلالها، في أن تمثل تجربة ديمقراطية استثنائية ضمن الأنظمة الرئاسية في إفريقيا، ففي الوقت الذي شكلت الانقلابات العسكرية الأسلوب الوحيد للتغيير في هرم السلطة واقصاء الأقليات سواء لأسباب دينية أو عرقية أو ثقافية أولغوية، مثلت السنغال حالة استثنائية منذ أن تم تنصيب الأديب والشاعر ليوبولد سيدار سينغور المسيحي على رأس دولة 90 بالمائة من سكانها من المسلمين، و استمرت في طابعها الاستثنائي عندما رسخت للتغيير والتجديد عبر صناديق الاقتراع التي دأب كل المتنافسين على احترام نتائجها رغم حجم التغيير الذي تحدثه وآخرهم الرئيس السابق ماكي سال، بحيث أن السنغال نجحت على مدى تاريخها المعاصر في الانتصار على أزمة الدولة الوطنية في إفريقيا، التي تعد أحد الأعطاب الكبرى في القارة السمراء ما بعد موجة الاستقلال وما يطرحه ذلك من قضايا ترتبط بالسيادة والهوية الثقافية وعدم تطابق الحدود السياسية مع التوزيع الإثني في ظل سيادة شعار ضرورة احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار، وهي حدود قسمت مجموعات اثنية وقبلية ودينية عوض أن تكون عامل غنى ووحدة، كانت على الدوام حطبا لعدم الاستقرار الداخلي وللصراعات الحدودية بين الدول.
لذلك يمثل نجاح العلاقات المغربية السنغالية في تحقيق الاستمرارية تحديا لصورة نمطية تكرس الصراع بين دول القارة الأفريقية بدل التعاون والشراكة.
