

بقلم : الدكتور عادل بن حمزة
في سياق الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وفي إطار محاولة فهم تعاطي الثورة الإيرانية واختياراتها العقدية القائمة على ولاية الفقيه مع المكونات الشيعية في المنطقة والعالم، تبرز حالة لبنان كبلد كنموذج بارز مساعد على الفهم وهو يؤدي اليوم فاتورة حرب الآخرين، فقدر هذا البلد هو إعادة نفس الأخطاء، وإنكار أن نفس المقدمات تؤدي بالضرورة إلى نفس النتائج. لعل المأساة التي يعرفها لبنان اليوم، رغم التركيز الاعلامي الكبير على ما يقع في إيران، هي صورة كاربونية لما عرفه البلد في عقود سابقة، ولعل أبرز عطب بنيوي يعانيه منذ نهاية الانتداب الفرنسي، هو أزمة الدولة الوطنية الجامعة التي تنتصر على واقع تعددية طائفية دينية وثقافية ومذهبية مزمنة»، عوض أن تكون مصدر غنى للبنان الجامع، إذا بها تتحول إلى نقطة ضعف وعنوان للبنان المعاصر الهش.
ارتبط غياب الدولة في لبنان بالحضور المكثف للعامل الخارجي، إذ أن مختلف الأطراف الداخلية كانت تبحث في الخارج عن امتداد يؤمن لها مراكز نفوذ في الداخل، كما أن هذا الجو في لحظات تاريخية عديدة، فسح المجال الفاعلين أجانب المصادرة أدوار ووظائف الدولة مستثمرين هشاشة المؤسسات والبنية القانونية خاصة في إذكاء الجانب الطائفي، ففي 19 دجنبر 1967 سيصدر قانون ينظم شؤون الطائفة الشيعية، نص في مادته الأولى على أن ممثلي هذه الطائفة يتصرفون ويعملون طبقا للفتاوي الصادرة عن أعلى سلطة للطائفة في العالم وذلك على خلاف جميع القوانين المنظمة للطوائف الأخرى.
إحالة الطائفة الشيعية على مراجع خارج البلاد حتى قبل اندلاع الثورة الإسلامية في إيران سنة 1978 سيجد صداه ولو متأخرا، في أول بيان رسمي يصدره حزب الله في 16 فبراير 1985 والذي جاء فيه: «نحن لسنا حزبا ولسنا أمة بل نحن جزء من أمة نشر الله طليعتها في ايران.. معلنا ارتباط الحزب بمرشد الثورة الإسلامية في إيران و التزامه بأوامر وقيادة واحدة حكيمة وعادلة .. الولي الفقيه الجامع… آية الله العظمى روح الله الموسوي الخميني دام ظله .. هذا الارتباط لازال لبنان يدفع ثمنه غاليا إلى اليوم.
لفهم هذه العلاقة الملتبسة بين الشيعة أجزء منهم على الأقل والدولة، يجدر يا إعادة قراءة كتاب الشيعة والدولة للراحل هاني فحص، الذي أكد فيه على أن دولة عندما لا تريد، أو عندما تكون عاجزة على أن تجمع مكوناتها المتعددة إثنيا دينيا من خلال الالتزام بكونها دولة جامعة لهذه المكونات مع حرصها على جعل المواطنة أساسا لحرية الاختيار في انتخابات تمثيلية، واعتماد الكفاءة والنزاهة الفردية كأساس للمشاركة في الإدارة، فإنها بالنتيجة تدفع هذه المكونات أو التي تهمش منها نحو العزلة والفصال معها ومع المكونات الأخرى المرجحة أو المقدمة عليها، وتشجعها على إقصاء أو تعطيل المتغير الثقافي الاجتماعي بالثوابت الطبيعية أو البيولوجية، ثم ترجيح الجامع السلالي، أو العصبي الديني أو المذهبي على الجامع الوطني والقانوني، وتمترس في الهوية الضيقة والقاتلة، أمام ممانعة الهوية الواسعة أو المركبة عن استيعابها ومكانتها ماديا ومعنويا. لاشك أن هذا خلل في سلوك أي جماعة، وهو لا يحقق لها ما تريده من أمان حقيقي وفعالية مجزية، لكنه يترتب على خطا أكبر، هو خطأ الدولة في تعريفها وتعرفها لذاتها أو دورها، ليخلص هاني فحص إلى أن الدولة بذلك تدفع جماعاتها إلى الاستقواء عليها والتملص من الولاء لها، ما يؤدي إلى جعل الحراك الاجتماعي والسياسي في أماكن مختلفة البنان مثلا منحصرا في تبادل الخسائر بين الدولة والمجتمع، كما بين الجماعات الوطنية. وقد يصل الطيق بالجماعة الوطنية المهمشة إلى البحث عن وسائل الاستقواء على وضعها ودولتها في الخارج. وهذا الخارج ليس واحد …..
تحول اللجوء إلى الخارج في الحالة اللبنانية من لحظة احتجاج على هامشية مرفوضة، إلى صياغة بديل جذري على أسس دينية وعقائدية أيديولوجية. خاصة في حالة حزب الله الذي كان صناعة إيرانية خالصة، فعلى أكبر محتشمي والذي كان سفيرا للخميني بدمشق، قال بأن حزب الله هي فكرة خالصة للإمام الخميني»، للتذكير كان محتشمي مشرفا ومسؤولا مباشرا عن ملف التنسيق بين جميع الحركات الإسلامية الجهادية ذات التوجه الشيعي التي قامت الثورة الإيرانية بعدها بالمال والسلاح والتدريب لتصدير الثورة ولخلق بور لعدم الاستقرار في المنطقة تعزز موقع طهران التفاوضي، وكان حزب الله ذرة التاج بالمقارنة مع باقي التنظيمات المسلحة.
ما يعرفه لبنان اليوم يعود أساسا لهذا الواقع الذي تحول فيه حزب الله إلى دولة وسط الدولة، فإذا كانت منظمة التحرير الفلسطينية سباقة إلى هذه الحالة خاصة بعد ترسيمها ك دولة باتفاق القاهرة سنة 1969 بين الدولة اللبنانية ومنظمة التحرير وكان ذلك سببا في تعاظم دور المنظمة وتغولها على الداخل اللبناني وسيبا مباشرا في الاجتياح الإسرائيلي للبنان، فإن التاريخ يعيد نفسه، بل وينطلق من حيث انتهت منظمة التحرير حيث : يت كان ثمن انسحاب إسرائيل من لبنان هو خروج مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية منها وتوزيعهم على عدة دول.
المعضلة اليوم أنه إذا كانت المنظمة وقادتها ومقاتلوها أجانب عن لبنان، فإن حزب الله الذي يصر على الحديث باسم الدولة ومن خارج الدولة ضد الدولة، هو من تراب لبنان بالشكل الذي يجعل عملية استئصاله شبه مستحيلة، ليبقى الرهان على تحوله، بكل ما يتطلبه ذلك من جهود خارقة قد تجعلها ظروف الحرب أكثر استحالة. يبقى الجواب التاريخي الوحيد على هذا الواقع المأزوم، هو قيام الدولة اللبنانية فعليا وممارسة سيادتها بشكل عام، ذلك أن غياب الدولة في لبنان خلق بيئة من عدم الاستقرار تؤثر على جميع جوانب الحياة اليومية، وبالتالي يمثل مطلب استعادتها واستعادة أدوارها، أمرا مصيريا، لكن المؤسف أنه على على هذا المستوى بالغ الأهمية، سيكون للعامل الخارجي دور حاسم، وهو الذي أسهم في تدحرج أزمة الدولة في لبنان كل هذه العقود، باعتباره كان جزء من الأزمة لا جزءا من الحل.

