
علاقة بالنقاش الذي أثاره الفيديو المنشور من طرف الصحفي حميد المهداوي ، وقبل الخوض في مضمونه ، ارتأيت أن أعطي توضيحا مختصرا عن قانون الصحافة بالمغرب
صدر أول قانون للصحافة بتاريخ 15 نونبر 1958 بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.58.378 ، قبل حتى صدور أول دستور للمملكة سنة 1962. هذا القانون المكون من 80 فصلا شكل النواة الأولى تلاه مسار طويل من التعديل ، خلال عدة محطات سنة 1959 و1960 و1962 ، ثم تعديل 10 أبريل 1973 ، ليستقر القانون دون تغييرات جوهرية إلى غاية سنة 2002 . في 3 أكتوبر 2002 صدر القانون رقم 77.00 الذي غير وتمم قانون 1958 ، فاتحا الباب أمام مرحلة جديدة ستتطور جذريا بعد دستور 2011 الذي وسع مجال الحريات ، وشجع التنظيم الذاتي المستقل لمهنة الصحافة ،
عقب ذلك أطلقت الحكومة في يناير 2012 مشاورات واسعة مع المهنيين لتحيين مسودة 2007 ، قبل أن يعين في أكتوبر 2012 فريق لصياغة مشروع مدونة جديدة للصحافة والنشر ، واكتمل العمل سنة 2013 في شكل ثلاثة مشاريع قوانين ، صادقت عليها الحكومة في 2016 وهي :
القانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر .
والقانون رقم 89.13 الخاص بالنظام الأساسي للصحافيين المهنيين ،
والقانون رقم 90.13 المتعلق بالمجلس الوطني للصحافة .
لتنطلق بذلك مرحلة مهمة في تنظيم قطاع الصحافة ، قائمة على مبدأ الحرية والتعددية ، وفي الوقت نفسه على إخضاع المهنة لمعايير أخلاقية وتأديبية تحفظ الثقة العامة .
ينص القانون 90.13 على اعتبار المجلس الوطني للصحافة هيئة مهنية ديمقراطية ومستقلة ، تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي ، مهمتها تنظيم المهنة ذاتياا ، وضع وتنفيذ ميثاق أخلاقيات الصحافة ، منح بطاقة الصحافة المهنية ، ضمان احترام الصحافيين لمبادئ النزاهة والحياد ، وتتبع الخروقات التأديبية ، والحرص على حق المواطن في إعلام مهني حر وصادق ….
غير أن انتهاء ولاية المجلس القانوني سنة 2022 دون تنظيم انتخابات جديدة أدى إلى إنشاء لجنة مؤقتة بموجب مرسوم حكومي ، ما أثار منذ البداية نقاشا حول مدى انسجام هذا التدخل مع مبدأ استقلالية التنظيم الذاتي وهو جوهر قانون 90.13 .
وفي هذا السياق ، جاء التسجيل الذي نشره الصحفي حميد المهداوي ، والذي يوثق جزءا من مداولات اللجنة المؤقتة في ملف بطاقته المهنية ، ليكشف عن أزمة أعمق من مجرد فراغ مؤسساتي . فالتسريب كشف عن عدة خروقات خطيرة يمكن قراءتها من زاوية قانونية بداية بخرق سرية المداولات ، إذ تنص المادة 18 من النظام الداخلي للمجلس الوطني للصحافة صراحة على سرية مداولات أجهزة المجلس . إلا أن التسجيل أظهر أن طريقة التداول ، العبارات المستعملة ، ومنهجية اتخاذ القرار ، كلها كانت بعيدة عن أي طابع مؤسساتي ، وبعيدة كل البعد عن السرية .
إضافة إلى ذلك ، احتوى التسريب على عبارات قدحية وازدرائية ، بعضها موجه نحو الصحافيين والمحامين ( بعبارات مهينة جدا لا يمكن قبولها أو تمريرها مرور الكرام ) وأشخاص ذاتيين ، بما يشكل إخلالا خطيرا بميثاق الأخلاقيات وإساءة للصفة المهنية ، ويدخل في دائرة القانون الجنائي في حالات القذف أو السب .
كما أشار التسريب إلى تدخل اللجنة في ملفات ذات طبيعة قضائية ، وهو ما يمس بمبدأ استقلال السلطة القضائية ويتجاوز حدود اختصاص اللجنة التي لا علاقة لها بالقضاء أو ملفاته .
إضافة لطريقة المداولة وفق ما ظهر في التسجيل ، لم تكن مبنية على معايير تشريعية أو اجتهاد قانوني ، بل على اعتبارات شخصية انتقامية ، ما يعد عيبا في الشرعية الإجرائية ، التعليل ، والحياد والاستقلال ، وهي كلها أسباب قد تجعل القرارات المتخذة قابلة للإبطال قضائيا .
إلا أن هذه الممارسات تطرح سؤال الشرعية المهنية قبل الشرعية القانونية ، لأن التنظيم الذاتي للقطاع لم يخلق ليكون مجالا لتصفية الحسابات أو اتخاذ قرارات تأديبية بخلفيات غير مهنية، بل ليحفظ شرف المهنة ويضمن احترام قواعدها ، ويؤسس لثقة المواطن في المؤسسات الإعلامية ومن يراقبها ويؤطرها .
وفي ظل كل ما حدث ، اعتبرت اللجنة المؤقتة التسجيل “مقتطعا، مضللا ومفبركا “، وهددت باللجوء إلى القضاء ، رغم أن ولايتها محددة بسنتين ، مما يطرح تساؤلا حول صفتها والخلفية القانونية التي اعتمدتها لإصدار بيانها .
في النهاية لا يسعني سوى القول أن المشهد في هذه الواقعة معقد ومؤسف ، ولابد من فتح تحقيق دقيق ومحاسبة كل من ثبت تورطه ، حتى لا تتكرر مثل هذه المشاهد المسيئة للمهنة والوطن الذي نحب .
