
مغرب العالم/ بروكسل
الصحافي: يوسف دانون
في مجتمعاتنا المعاصرة، لم تعد المراهقة مرحلة عمرية مرتبطة بسنّ معينة فقط، بل أصبحت في بعض الحالات حالة نفسية قد تتأخر وتظهر في مراحل متقدمة من العمر. ومن بين الظواهر التي باتت تثير النقاش داخل بعض الأوساط الاجتماعية، ما يمكن تسميته بـ المراهقة المتأخرة لدى بعض النساء، حيث يتحول البحث عن الشباب الضائع إلى هاجس يومي يتجسد في علاقات غير متوازنة مع شباب يصغرونهن سناً.
في مدينة مثل بروكسل، التي تعيش على إيقاع حياة سريعة وتنوع ثقافي واسع، أصبح بعض المراقبين للشأن الاجتماعي يلاحظون انتشار هذا السلوك في بعض الأوساط، حيث تسعى بعض النساء اللواتي تجاوزن مرحلة النضج إلى استعادة بريق الشباب بأي وسيلة، حتى لو كان ذلك عبر علاقات عابرة مع شباب يبحثون بدورهم عن المغامرة أو المصالح العابرة.
إنها مفارقة اجتماعية لافتة:
نساء يحملن سنوات من التجارب الحياتية، لكنهن في لحظة ما يحاولن العودة إلى زمن المراهقة، لا من باب استعادة الذكريات الجميلة، بل من باب الهروب من فراغ عاطفي عميق أو محاولة إثبات أن الزمن لم ينتصر بعد.
بعض هذه الحالات ترتبط بواقع اجتماعي معقد: طلاق، وحدة، إحساس بالإهمال، أو شعور قاسٍ بأن الحياة العاطفية توقفت مبكراً. ومع مرور السنوات، يتحول هذا الشعور إلى نوع من التمرد المتأخر على العمر، حيث يصبح إعجاب الشباب بمثابة جرعة نفسية سريعة تعيد الإحساس المؤقت بالحياة.
لكن الحقيقة التي يغفل عنها البعض أن هذه العلاقات غالباً ما تكون هشة وقصيرة العمر، لأنها تقوم على اختلال واضح في التوازن النفسي والعاطفي. فالشاب قد يبحث عن تجربة عابرة، بينما تبحث المرأة عن إثبات الذات واسترجاع زمن مضى.
الأخطر من ذلك أن هذه الظاهرة تكشف عن تحول عميق في مفهوم النضج الاجتماعي، حيث أصبحت بعض القيم تختلط بين الحرية الشخصية والاندفاع غير المحسوب. وبينما يراها البعض مجرد اختيار فردي، يرى آخرون أنها تعبير عن أزمة هوية يعيشها جزء من المجتمع في زمن أصبحت فيه الصورة أهم من الجوهر.
إن المرأة التي بلغت مرحلة النضج ليست في حاجة إلى تقليد المراهقة كي تشعر بقيمتها. فالقوة الحقيقية للمرأة تكمن في حكمتها، وتجربتها، وقدرتها على تحويل العمر إلى رصيد من الهيبة والاحترام، لا إلى سباق عبثي مع الزمن.
وفي النهاية، يبقى السؤال مطروحاً:
هل هو بحث حقيقي عن الحب… أم مجرد محاولة متأخرة للهروب من مواجهة الذات؟
الزمن يمضي، لكن النضج الحقيقي لا يقاس بعدد السنوات، بل بقدرة الإنسان على التصالح مع عمره واحترام ذاته.
