
شهد الفضاء المتوسطي خلال العقدين الأخيرين تحولات كبيرة في موازين القوة اللوجستية والصناعية، يقف وراءها مخطط طويل الأمد للمغرب، وصفته تقارير وتحليلات إسبانية بأنه استراتيجية وطنية تهدف إلى تحويل المملكة إلى مركز محوري للتجارة والصناعة في إفريقيا، من خلال خطوات تدريجية ومنظمة، مدعومة بشراكات دولية واتفاقيات استراتيجية مع قوى كبرى مثل فرنسا، الولايات المتحدة، الصين، وإسرائيل.
وتؤكد هذه التحليلات، التي تناولتها منصة Nacion Española، أن ما تحقق لم يكن وليد مبادرات عابرة أو قرارات ظرفية، بل نتاج رؤية تمتد لعشرين سنة، ركزت على تطوير البنية التحتية، الانخراط في سلاسل القيمة العالمية، وجذب الاستثمارات الصناعية، ما أدى إلى تراجع نسبي للدور الاقتصادي الإسباني في محيطه الجنوبي، خاصة بمنطقة مضيق جبل طارق.
ويعد ميناء طنجة المتوسط حجر الزاوية في هذا التحول، فمنذ افتتاحه عام 2007، أصبح أكبر ميناء للحاويات في إفريقيا وأحد أبرز الموانئ في البحر الأبيض المتوسط، حيث تجاوز حجم الرواج سنة 2024 142 مليون طن وحوالي 10 ملايين حاوية نمطية (TEU)، متفوقا على كبريات الموانئ الإسبانية مثل الجزيرة الخضراء وفالنسيا وبرشلونة، ما يعكس انقلابا تدريجيا في التراتبية اللوجستية للمنطقة.
ولا يقتصر دور طنجة المتوسط على النشاط المينائي، بل يشكل منظومة صناعية ولوجستية متكاملة تضم أكثر من 1200 شركة في مجالات السيارات، والطيران، والنسيج، والخدمات اللوجستية، مستفيدة من حوافز ضريبية وسياسة موجهة نحو التصدير، ما ساعد على خلق قيمة مضافة تتجاوز دور المرور التجاري التقليدي.
ويعزز المغرب مكانته في الشبكات التجارية العالمية عبر مسار لوجستي يربطه بالصين، يبدأ من مدينة تشنغدو وصولا إلى برشلونة ثم طنجة، ما قلص مدة الشحن من 35 إلى نحو 20 يوما، مستفيدا من اتفاقيات تتيح للمنتجات المغربية ولوجا تفضيليا للسوق الصينية، وهو ما يرسخ دور المملكة كمنصة صينية في إفريقيا.
كما رافق هذا التوجه استثمار ضخم في البنية التحتية الداخلية، ضمنه توسيع شبكة القطار فائق السرعة وربط طنجة بمراكش ومناطق أخرى، بالإضافة إلى تطوير ميناء الناظور غرب المتوسط بطاقة أولية تصل إلى 3 ملايين حاوية، مع إمكانية التوسع، لتكرار نموذج طنجة المتوسط وفتح آفاق أوسع للتجارة الأطلسية، ما انعكس على التوازنات اللوجستية لجزر الكناري.
وعلى الصعيد الصناعي، أصبح المغرب أكبر منتج للسيارات السياحية في إفريقيا بفضل مصانع كبرى لعلامات دولية مثل رونو وبيجو، وشبكة موردين محلية متنامية، ما أتاح تكوين منظومة صناعية متكاملة تزيد من التنافسية وتدعم التشغيل، ليصبح المغرب منافسا لإسبانيا ليس فقط في الصناعات التقليدية، بل أيضا في قطاعات متقدمة كانت تعتبر سابقًا مجال تفوق إسباني واضح.
تكمن قوة هذا المسار في انسجامه واستمراريته، حيث يقدم المغرب نفسه كحلقة وصل بين أوربا وإفريقيا، مستفيدا من بنى تحتية متطورة واتفاقيات تجارية تفضيلية مع الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة والصين، وموقعه كشريك مميز لحلف شمال الأطلسي في المغرب العربي. فرنسا تدعم هذا التوجه عبر شركاتها، بينما تعتبر واشنطن المغرب حليفا استراتيجيا لاستقرار الساحل الإفريقي، وتراه الصين منصة رئيسية للوصول إلى القارة.
في المقابل، تعكس المؤشرات الإسبانية قلقا متزايدا من فقدان بعض موانئها لمكانتها التقليدية، وتراجع الدور الاستراتيجي لجزر الكناري، إلى جانب اشتداد المنافسة الصناعية مع المغرب الذي يوفر كلفة إنتاج أقل واستقرارا أكبر للاستثمار، ما يسلط الضوء على الفارق بين التخطيط الاستراتيجي المغربي طويل الأمد وغياب رؤية مماثلة في إسبانيا.
