

بقلم: الصحافي فؤاد السعدي
تتحرك المياه الراكدة في المشهد السياسي المغربي على إيقاع تحولات هادئة لكنها عميقة، توحي بأن استحقاقات 2026 لن تكون مجرد محطة انتخابية عادية، بل لحظة مفصلية قد تعيد ترتيب موازين القوى داخل الحقل الحزبي. فالمؤشرات المتراكمة، سواء على مستوى المزاج العام أو داخل البنيات التنظيمية للأحزاب، تعكس بداية أفول مرحلة صعدت فيها أحزاب السلطة بسرعة، مقابل عودة تدريجية للأحزاب ذات الجذور التاريخية التي تراهن على النفس الطويل واستعادة المبادرة من داخل المجتمع لا من فوقه.
في هذا السياق، يبرز حزب الاستقلال كأحد أبرز المستفيدين من دينامية إعادة التموضع الجارية. فالحزب، الذي اختار خلال السنوات الماضية استراتيجية الانضباط الهادئ داخل الأغلبية، يبدو اليوم وكأنه يحصد ثمار ما يمكن وصفه بسياسة الاقتصاد في الاحتكاك، حيث حافظ على تماسكه التنظيمي وقلص من كلفة الاستنزاف السياسي، في وقت تعرض فيه شركاؤه لاختبارات قاسية على مستوى الثقة الشعبية. غير أن هذا الصعود المحتمل لا يرتبط فقط بضعف الآخرين، بل أيضا بقدرة الحزب على استثمار رصيده التاريخي وتقديم نفسه كعنوان للاستمرارية في زمن التقلب.
في المقابل، تبدو أحزاب الأغلبية الحالية أمام منعطف دقيق، على اعتبار أن انسحاب قيادات كاريزمية أو تراجع وهج الزعامة الفردية قد يفتح الباب أمام مرحلة انتقالية داخل بعض التنظيمات التي بنت جزءا كبيرا من حضورها على قوة القيادة أكثر من قوة المؤسسة. وهنا يطرح تحدي ما بعد الزعامة نفسه بحدة، إذ غالبا ما تكشف هذه اللحظات هشاشة البناء التنظيمي، وتضع الأحزاب أمام اختبار صعب يتعلق بقدرتها على تحويل النفوذ الظرفي إلى مشروع سياسي مستدام.
ولا يمكن قراءة أفق 2026 دون التوقف عند التحولات التي مست صورة الفعل الحكومي لدى فئات واسعة من المواطنين. فالتراكمات الاجتماعية، وعلى رأسها ارتفاع كلفة المعيشة وتآكل القدرة الشرائية، ساهمت في إعادة تشكيل علاقة الناخب بالخطاب السياسي، حيث لم تعد الوعود الكبرى كافية لإقناع كتلة انتخابية باتت أكثر ميلا للحكم على النتائج لا النوايا. هذا التحول قد يغذي نزعة تصويت احتجاجي صامت، لا يعبر عن نفسه بالضرورة عبر المقاطعة، بل عبر إعادة توزيع الأصوات بشكل يعاقب بعض التجارب ويفتح المجال أمام أخرى.
ومن الزوايا اللافتة أيضا عودة النقاش حول دور السياسي مقابل التقنوقراطي، لأن التجربة الحكومية الأخيرة أعادت طرح سؤال التوازن بين النجاعة التدبيرية والشرعية التمثيلية، خاصة في ظل شعور متنامٍ لدى جزء من الرأي العام بأن الفعل العمومي يحتاج إلى نفس سياسي قادر على امتصاص التوتر الاجتماعي، لا فقط مقاربات تقنية محكومة بلغة الأرقام. وهو ما يدفع النقاش نحو إعادة الاعتبار للأحزاب التي تمتلك تقاليد سياسية عريقة وقدرة أكبر على الوساطة المجتمعية.
كما أن دخول جيل جديد من الناخبين إلى الخريطة الانتخابية يضيف معطى حاسما في معادلة 2026. فجيل الشباب، وخاصة المنتمي لما بات يعرف بالناخب الرقمي، لا يتعامل مع السياسة بنفس منطق الولاءات التقليدية، بل يميل إلى التقييم السريع والمباشر للأداء، ويتأثر بقضايا ملموسة مثل التشغيل والعدالة الاجتماعية وجودة الخدمات. هذا التحول قد يربك الحسابات الكلاسيكية للأحزاب، ويدفعها إلى مراجعة أدواتها التواصلية وبرامجها بدل الاكتفاء بإعادة إنتاج الخطابات القديمة.
في موازاة ذلك، قد تعرف المرحلة المقبلة حركية لافتة في صفوف النخب المحلية والأعيان، الذين عادة ما يستشعرون مبكرا اتجاه الرياح السياسية. فالتاريخ الانتخابي المغربي يظهر أن لحظات إعادة التوازن الكبرى غالبا ما ترافقها إعادة اصطفاف داخل الخريطة المحلية، وهو ما قد يعمق من منطق السيولة الحزبية ويجعل نتائج 2026 مفتوحة على أكثر من سيناريو.
وبالتالي، بناء على هذه المعطيات، يبدو أن المغرب مقبل على استحقاق انتخابي يحمل في طياته أكثر من مجرد تنافس عددي على المقاعد. نحن أمام مرحلة قد تعيد تعريف أدوار الفاعلين السياسيين، وتختبر قدرة الأحزاب على تجديد خطابها واستعادة ثقة الشارع. فإما أن تنجح النخب الحزبية في التقاط رسائل المرحلة وبناء تعاقد سياسي جديد أكثر التصاقا بالانتظارات الاجتماعية، أو أن تتعمق فجوة الثقة، بما يفتح الباب أمام مفاجآت انتخابية غير تقليدية.
صحيح أن صناديق 2026 قد لا تحسم فقط هوية الحزب المتصدر، بل قد تحسم أيضا طبيعة المرحلة السياسية المقبلة، وهو يجعلنا نطرح السؤال التالي، هل نحن أمام عودة التوازن بين الأحزاب التاريخية والقوى الصاعدة، أم أمام ولادة مشهد أكثر تشتتا وسيولة؟ الجواب هنا لن تصنعه التحالفات وحدها، بل مزاج ناخب بات أكثر وعيا وأقل قابلية للانخداع بالشعارات، وأكثر ميلا لمنح ثقته لمن يقنعه بالفعل لا بالوعد.
