

بقلم: الصحافي أمين بوشعيب /إيطاليا
أرباح خيالية على حساب المواطنين
في الوقت الذي تشتعل فيه نيران الحروب في المشرق العربي، وتسقط فيه الأرواح وتُدمّر فيه الأوطان، هناك من يراقب المشهد من زاوية مختلفة تمامًا… زاوية الأرباح. نعم، فبينما تُقصف المدن هناك، تُستنزف الجيوب هنا. في المغرب، لم تعد أزمات العالم مجرد أخبار عابرة في نشرات المساء، بل تحوّلت إلى فرص استثمارية لطبقة بعينها، طبقة لا ترى في المآسي إلا أرقامًا قابلة للارتفاع، ولا في معاناة الشعوب إلا مؤشرات للربح السريع. إنهم ببساطة: تجار وأغنياء الأزمات. إن ارتفاع أسعار المحروقات في حد ذاته ليس هو الفضيحة، فالسوق الدولية متقلبة بطبيعتها، لكن الفضيحة الحقيقية تكمن في الانتقائية الفجة: ترتفع الأسعار بسرعة البرق حين ترتفع عالميًا، لكنها تنخفض ببطء السلحفاة، إن انخفضت أصلًا، حين تهدأ الأسواق. أي منطق هذا؟ وأي سوق هذا الذي يعرف كيف يصعد ولا يعرف كيف ينزل؟ لقد قيل لنا يومًا إن تحرير أسعار المحروقات سيخلق المنافسة ويخفض الأسعار. لكن ما حدث هو العكس تمامًا: تحرير السوق تحوّل إلى تحرير للأرباح، وفتح الباب أمام تركيز الثروة في يد قلة قليلة تتحكم في قوت المغاربة اليومي. الأمر لم يعد مجرد اقتصاد… بل أصبح سياسة.
فعندما تتقاطع المصالح بين السلطة والمال، تتحول القوانين إلى أدوات صامتة، وتصبح الرقابة مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي. كيف نفسر أن شركات المحروقات تحقق أرباحًا خيالية في عز الأزمات، بينما المواطن يُطلب منه التفهم والصبر وتحمل الظروف الدولية؟ كيف يُطلب من الشعب شدّ الحزام، بينما تُفصَّل جيوب الكبار لتتسع أكثر؟ إن أخطر ما في هذه المعادلة ليس فقط غلاء الأسعار، بل تطبيع الغلاء، وتحويله إلى قدر محتوم، وكأن المواطن خُلق فقط ليدفع، لا ليسأل، ولا ليحاسب. من موقع الغربة، حيث نرى الأوطان بوضوح أكبر أحيانًا، يبدو المشهد أكثر قسوة: بلد يئن تحت ضغط المعيشة، وطبقة تتضخم ثرواتها مع كل أزمة، ودولة تقف، أو تُوضع، في موقع المتفرج. ولعل أقسى ما يكشف هذا الخلل الفادح، ليس فقط ما يحدث في سوق المحروقات، بل ما حدث أيضا بعد زلزال الحوز. يومها، هبّ المغاربة من داخل الوطن وخارجه، وتدفقت التبرعات بالمليارات، وامتلأت الخطب بالوعود بإعادة الإعمار في أسرع وقت، لكن، ماذا حدث بعد ذلك؟ بعد شهور طويلة، لا يزال عدد كبير من سكان المناطق المنكوبة يعيشون في الخيام، يواجهون قساوة البرد والحر، بينما تُطرح تساؤلات مشروعة حول مصير الأموال التي جُمعت، وحول بطء التنفيذ الذي لا يوازي حجم الوعود. كيف يمكن لدولة أن تبرر عجزها عن إيواء مواطنيها المتضررين من كارثة طبيعية، وفي الوقت نفسه تترك أسعار المحروقات تنفلت لصالح شركات تحقق أرباحًا ضخمة؟ أليست هذه المفارقة كافية لفهم أن الخلل ليس في الإمكانيات، بل في الأولويات؟ وفي تطور يكشف أن الأمر لم يعد مجرد إحساس شعبي بالظلم، بل شبهة مدعومة بمعطيات، طالب عدد من البرلمانيين بفتح تحقيق عاجل حول احتمال تلاعب بعض شركات المحروقات بالمخزون الاحتياطي، واستعماله كورقة ضغط للتحكم في السوق ورفع الأسعار بشكل مصطنع. هذه الاتهامات تعززها معطيات سابقة كشفت عنها تقارير رسمية، والتي تحدثت عن تحقيق أرباح بمليارات الدراهم بعد تحرير القطاع، وعن هوامش ربح مرتفعة في سوق يُفترض أنه تنافسي، بل وعن مؤشرات على سلوكيات متقاربة تفرغ المنافسة من مضمونها. ورغم خطورة هذه المؤشرات، لم يتجاوز رد الحكومة حدود التبرير التقليدي: الأسعار مرتبطة بالسوق الدولية، والمراقبة قائمة. لكن أي مراقبة هذه التي لم تمنع هذا النزيف؟ وأي سوق هذه التي ترتفع فيها الأسعار بسهولة… ولا تنخفض إلا بشق الأنفس؟ ولكي نكون أكثر وضوحًا، فالمشكل لم يعد فقط في أسعار المحروقات، بل في منظومة كاملة تختلط فيها السلطة بالثروة بشكل فاضح. كيف يُطلب من المغاربة الثقة في “تحرير الأسعار”، بينما رئيس الحكومة نفسه فاعل رئيسي في القطاع الذي يلتهم القدرة الشرائية للمواطنين؟ هذا ليس نقاشًا تقنيًا، بل سؤال سياسي وأخلاقي مباشر: هل يمكن لمن يستفيد من ارتفاع الأسعار أن يكون في الوقت نفسه حَكَمًا يضمن نزاهتها؟ قد يختبئ البعض وراء القانون، لكن القانون وحده لا يصنع العدالة. فأخطر أشكال تضارب المصالح ليست تلك التي تُخالف النصوص، بل تلك التي تحتمي بها. وحين ترتفع الأسعار، وتتراكم الأرباح، وتغيب القرارات، فإن الأمر لا يبدو مجرد خلل، بل نظامًا يخدم نفسه بنفسه. وفي غياب الشفافية، يتحول الصمت الرسمي من موقف دفاعي إلى اتهام قائم بذاته.
فلاش: المغاربة لن ينسوا من حوّل مآسيهم إلى صفقات، ولا من رأى في الكوارث فرصة للاغتناء بدل أن يكون سندًا في زمن الشدة. فمن زلزال الحسيمة والناظور، حيث بقيت الوعود معلّقة، إلى فيضانات آسفي والقصر الكبير، حيث كشفت السيول هشاشة البنية وعمق الإهمال، إلى جائحة كورونا التي فتحت أبوابًا واسعة لصفقات مثيرة للجدل، وصولًا إلى سنوات الجفاف التي تحوّلت إلى مجال لتوزيع الدعم بمنطق غير متكافئ، ومليارات “المخطط الأخضر” التي لم تنعكس كما ينبغي على واقع الفلاح البسيط.
إنها سلسلة من الأزمات، قد تختلف عناوينها، لكن جوهرها واحد: أرباح تُراكم في الأعلى… ومعاناة تُترك في الأسفل. وها هو المشهد يتكرر اليوم، من خيام الحوز إلى محطات الوقود، من الألم الإنساني إلى الضغط المعيشي اليومي، نفس المنطق، نفس المستفيدين، ونفس الصمت. قد يراهن البعض على ذاكرة قصيرة، لكنهم يخطئون في قراءة هذا الشعب. المغاربة قد يصبرون طويلًا، قد يتحملون ما لا يُحتمل، لكنهم لا ينسون، وحين يتحول الصبر إلى وعي، والوعي إلى موقف، فإن الحساب، ولو تأخر، لا يسقط. وحينها، لن يكون السؤال عن الأسعار فقط، بل عمن تاجر بالأزمات… ومن سيدفع الثمن في النهاية.

