
بقلم: الصحافي أمين بوشعيب/ إيطاليا
وأنا أتابع فصول العدوان الأمريكي – الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وأرى مشاهد القصف والتهديد والتصعيد، لم أستحضر تحليلات مراكز الدراسات ولا بيانات التنديد الباردة، بل قفزت إلى ذهني حكاية قديمة نحفظها منذ الصغر، وهي قصة الثيران الثلاثة.
الثور الأبيض، والثور الأحمر، والثور الأسود، الذين لم يستطع الأسد افتراسهم مجتمعين، فلجأ إلى سياسة التفريق. أقنع الأسود أن يسكت حين يُؤكل الأبيض، ثم همس للأحمر أن لا شأن له بمصير الأسود… حتى جاء الدور عليه. عندها فقط نطق الثور الأسود بالحكمة المتأخرة: “ أُكلتُ يوم أُكل الثورُ الأبيض.”
اليوم، ونحن نرى تحالفًا تقوده الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل في مواجهة دولة إقليمية بحجم إيران، بينما تكتفي معظم الأنظمة العربية والإسلامية بدور المتفرج، يبدو المشهد وكأننا نعيد سرد الحكاية نفسها، لكن بدم حقيقي ونار حقيقية.
عندما شنّت أمريكا حربها على العراق سنة 2003، بقيت الدول العربية والإسلامية تتفرج، وتُرك العراق وحيدًا في مواجهة الغزو الأمريكي، فكان سقوط بغداد إيذانًا بمرحلة جديدة من إعادة تشكيل المنطقة. ثم رأينا ما جرى في ليبيا وسوريا واليمن. كل مرة كان هناك من يهمس: “هذا لا يعنينا” وكل مرة كان الحريق يقترب أكثر.
الحياد في معركة مصيرية قد يبدو حكمة، لكنه أحيانًا يكون مجرد تأجيل للمصير. حين تقبل الدول أن تتحول المنطقة إلى ساحة تصفية حسابات دولية، وحين تصمت أمام منطق القوة المجردة، فإنها تكرّس سابقة خطيرة، وهي أن السيادة مسألة تفاوضية، وأن أمن الدول يُحدد خارج حدودها.
اليوم يُعاد المشهد مع إيران، لكن بصيغة أشد خطورة، لأنها ليست دولة هامشية في الإقليم، بل لاعب رئيسي في معادلات الطاقة والممرات البحرية والتوازنات العسكرية. والمؤلم في هذا المشهد ليس فقط الصمت الرسمي، بل التبرير الذي تقوم به بعض وسائل الإعلام المحسوبة على دول المنطقة، واعتبار أن إيران هي السبب في هذه الحرب، وكأنها هي التي بدأت شن الهجوم على إسرائيل وأمريكا.
الولايات المتحدة تقود عملياتها العسكرية في المنطقة انطلاقًا من شبكة قواعد ضخمة موزعة فوق أراضي دول عربية وإسلامية محيطة بإيران، ففي قطر توجد قاعدة العديد، إحدى أكبر القواعد الجوية الأمريكية خارج الأراضي الأمريكية. وفي البحرين يتمركز الأسطول الخامس الأمريكي، ما يجعل مياه الخليج تحت مراقبة عسكرية مباشرة. وفي الكويت والإمارات العربية المتحدة تنتشر قواعد ومرافق لوجستية متقدمة.
وفي السعودية عادت القوات الأمريكية للتمركز بعد سنوات من الانسحاب النسبي.
فأي معنى للحياد إذن، إذا كانت منصات الانطلاق نفسها قائمة فوق الأرض العربية؟ وأي خطاب عن “عدم التدخل” يمكن أن يصمد أمام حقيقة أن المجال الجوي والموانئ والبنية التحتية تُستخدم ضمن ترتيبات عسكرية دولية؟
والمفارقة أن هذه الدول تصدر بيانات تدعو إلى التهدئة وضبط النفس، بينما أراضيها جزء من المعادلة العسكرية القائمة. وهنا لا يتعلق الأمر بإدانة هذه الدولة أو تلك، بل بطرح سؤال سيادي صريح: هل تحوّل الأمن العربي إلى عقد إيجار طويل الأمد؟ وهل أصبح الوجود العسكري الأجنبي قدرًا لا يمكن مراجعته؟
إن الرهان على قوة خارجية لضمان الأمن يشبه بناء بيت على رمال متحركة؛ فسياسات القوى الكبرى تتغير مع تبدل الإدارات والانتخابات، وحسابات المصالح لا تعرف صداقات دائمة ولا عداوات ثابتة. وما يبدو اليوم مظلة حماية قد يتحول غدًا إلى ورقة ضغط أو أداة ابتزاز في لعبة الأمم. لهذا، فإن اللحظة الراهنة تفرض وقفة مراجعة شجاعة. مراجعة تعيد الاعتبار لفكرة الاعتماد على الذات، وتستعيد معنى التضامن الإقليمي الحقيقي، بدل الارتهان لمعادلات أمنية يصوغها الآخرون ويُطلب منا فقط التكيف معها. فسيادة الدول لا تُحمى بالاصطفاف الأعمى، بل ببناء القوة الذاتية وصيانة القرار الوطني المستقل. وعندما تدرك الدول هذه الحقيقة، ستفهم أن الأمن لا يُصنع في غرف التطبيع المغلقة، بل في إرادة الشعوب التي ترفض أن تكون مجرد خطوط تماس في صراعات لا تخدم إلا مصالح الكبار.
لا أحد يدعو إلى مغامرات عسكرية، ولا إلى شعارات جوفاء. المطلوب موقف سياسي وأخلاقي واضح يرفض منطق العدوان، أيًّا كان المستهدَف. المطلوب حدٌّ أدنى من التضامن الاستراتيجي الذي يحفظ توازن المنطقة، ويمنع تحويلها إلى رقعة شطرنج تتحرك عليها القوى الكبرى كما تشاء. إن العالم لا يحترم الضعفاء، ولا يراعي المتفرقين. والتاريخ القريب شاهد على أن التفكك العربي والإسلامي هو ما جعل المنطقة قابلة لإعادة الرسم كل عقد من الزمن.
إن قصة الثيران ليست حكاية للأطفال، بل تلخيص مكثف لمنطق الهيمنة. من يُؤكل اليوم قد لا يكون الأقرب إليك سياسيًا، لكن سكوتك عن افتراسه يمنح الشرعية لافتراس الغد. إن استمرار العدوان دون موقف عربي وإسلامي واضح سيكرّس سابقة خطيرة: أن أي دولة يمكن أن تُستهدف إذا خرجت عن السطر المرسوم لها. والسؤال الذي يجب أن يُطرح في كل عاصمة عربية: هل نريد أن نكون جزءًا من صناعة القرار، أم مجرد هامش في بيانات الآخرين؟
فلاش: في خضم هذه الحرب يتساءل المغاربة: أين يقف المغرب؟
المعروف تاريخيًا أن المغرب كان يتبنى خطابًا داعمًا لوحدة الصف الإسلامي، لكن بعد توقيع اتفاق التطبيع مع إسرائيل سنة 2020 ضمن ما سُمّي بـاتفاقيات أبراهام. هل يمكن لدولة أن تحافظ على توازنها الاستراتيجي وهي تنخرط في تحالفات عسكرية وأمنية مع طرف مشارك في نزاع إقليمي واسع؟ هل السيادة تُجزّأ؟ وهل يمكن الجمع بين خطاب التضامن الإسلامي والتنسيق الأمني مع قوة إقليمية متهمة بالعدوان؟ هذه أسئلة لا يطرحها خصوم، بل يطرحها مغاربة يخشون على موقع بلدهم في معادلة متحركة.
لقد اتضح بما لا يدع مجالا للشك، أن التطبيع لا يصنع درعًا سياديًا، بل قد يحوّل الدول المطبّعة إلى خطوط تماس متقدمة في صراع أكبر منها. فالأمن لا يُشترى بتوقيع الاتفاقيات ولا يُستورد عبر بوابات التحالفات العابرة، بل يُبنى بإرادة سياسية مستقلة، وباقتصاد قوي، وبجبهة داخلية متماسكة، وبعمق استراتيجي مشترك بين الشعوب والدول التي يجمعها المصير والتاريخ.
