
بقلم: الصحافي أمين بوشعيب/إيطاليا

يحلّ شهر رمضان كل عام حاملاً معه معاني أعمق من مجرد الامتناع عن الطعام والشراب. فهو موسم لمراجعة الذات، وإعادة ترتيب القيم، وتجديد الروابط الاجتماعية، وترسيخ معاني التضامن بين الناس. غير أنّ هذا الشهر الذي يفترض أن يكون زمن رحمة وتكافل، يتحول أحيانًا في الواقع إلى موسم ضغط اقتصادي على الأسر، بسبب ممارسات الاحتكار والمضاربة التي تسبق قدومه. الصيام في جوهره ليس مجرد امتناع جسدي، بل هو مدرسة أخلاقية وتدريب روحي على الصبر، وكبح الجشع، والإحساس بالآخرين، وخاصة الفقراء والمحتاجين. لذلك كان رمضان دائمًا شهر الصدقات والموائد الجماعية والتراحم الأسري. لكن المعنى الأعمق لرمضان يظل مرتبطًا بسؤال بسيط: هل يغيّر الشهر سلوكنا حقًا؟ أم أننا نكتفي بالمظاهر دون أن نراجع علاقتنا بالاستهلاك والمال والآخرين؟ كما جرت العادة في كل سنة أصدرت الحكومة المغربية بلاغا رسميا تؤكد فيها عزمها على استقرار الأثمان في شهر رمضان، وذلك من خلال تكثيف لجان المراقبة في الأسواق ومراقبة سلاسل التوزيع ومعاقبة المضاربين والمحتكرين ونشر أرقام هاتفية للتبليغ عن المخالفات. ومع ذلك لم يجد المواطن المغربي أثرا لذلك البلاغ في الأسواق، حيث يتحول هذا الشهر الكريم إلى موسم مضاربات، وتبدأ موجة ارتفاع الأسعار في الأسواق، ويظهر سماسرة الأزمات الذين يخزنون السلع الأساسية انتظارًا لرفع أثمانها، مستغلين حاجة الأسر إلى الاستعداد للشهر الفضيل. فاللحوم، والخضر، والزيوت، والتمور، والمواد الأساسية تعرف زيادات مفاجئة، لا ترتبط دائمًا بقانون العرض والطلب، بل كثيرًا ما تكون نتيجة جشع بعض الوسطاء والمضاربين الذين يرون في رمضان فرصة للربح السريع بدل اعتباره شهر تضامن. وهنا يظهر التناقض الصارخ: شهر يفترض أن يخفف عن الناس يتحول عند البعض إلى وسيلة لزيادة معاناتهم. وبينما يتحدث الجميع عن فضائل الصيام، يضطر رب الأسرة البسيطة إلى خوض معركة يومية لتأمين احتياجات بيته دون أن تنهار ميزانيته. بصفتي فاعلا جمعويا، ومتتبع دائم لأخبار الوطن الحبيب وأحوال أهله، أريد أن أنوّه إلى أنه في مقابل هذه الصورة القاتمة، التي تحدثت عنها إلى أن هناك وجها آخر مضيء يتمثل في مغاربة العالم، الذين يتحول رمضان بالنسبة لهم إلى موسم تضامن مضاعف مع أسرهم وأحيائهم في الوطن. فآلاف العائلات في المغرب تعتمد جزئيًا أو كليًا على تحويلات أبنائها في الخارج، خاصة خلال هذا الشهر. بل هناك كثير من المهاجرين يضاعفون مساعداتهم، ويرسلون الصدقات، ويمولون قفف رمضان، ويساهمون في دعم الجيران والأقارب، بل ويحرص بعضهم على العودة خصيصًا لقضاء الشهر بين الأهل ومشاركة المحتاجين فرحة الإفطار. ورغم صعوبة الحياة في بلدان الهجرة وغلاء المعيشة هناك، يظل شعور الانتماء قويًا، ويجعل كثيرين يعتبرون مساعدة أهلهم في رمضان واجبًا أخلاقيًا لا مجرد دعم مالي. ويبقى السؤال معلقًا في كل عام: أي مستقبل نريده لرمضان في المغرب؟ وهل سنستمر في تحويل شهر الرحمة إلى موسم قلق اقتصادي للأسر، أم نملك الشجاعة لتصحيح المسار؟ فالمجتمع الذي يسمح باستغلال حاجات الناس في لحظات روحانية يفقد شيئًا من إنسانيته، والدولة التي لا تحمي أسواقها تترك مواطنيها وحدهم في مواجهة الجشع. رمضان ليس فقط اختبارًا للإيمان الفردي، بل امتحان لضمير المجتمع كله: للتاجر في أخلاقه، وللمسؤول في قراره، وللمواطن في تضامنه. فإذا انتصر منطق التكافل على منطق الاحتكار، يصبح الشهر مناسبة حقيقية لتضميد الجراح الاجتماعية، لا لتوسيعها. فوحده رمضان الذي يخفف عن الفقراء ويعيد التوازن بين الناس هو رمضان الذي يستحق أن يُحتفى به؛ أما غير ذلك فليس سوى طقس يتكرر دون أن يغيّر شيئًا في واقع ينتظر الشجاعة والعدل قبل أي شيء آخر. فلاش: ونحن نتحدث عن معاني التضامن والتكافل في شهر رمضان، لا يمكن للضمير الإنساني أن يتجاهل ما يعيشه أهل غزة من معاناة مستمرة، حيث يتحول هذا الشهر الذي يفترض أن يكون زمن طمأنينة وروحانية إلى فصل إضافي من الصبر تحت وطأة ظروف إنسانية قاسية. فرمضان يذكّرنا بأن حدود التضامن لا ينبغي أن تتوقف عند الحي أو المدينة أو الوطن، بل تمتد إلى كل إنسان يعاني من الجوع والخوف وفقدان الأمان. وأبسط ما يمكن أن نقدمه هو إبقاء قضيتهم حاضرة في الوعي، والدعاء لهم، والمساهمة في المبادرات الإنسانية التي تخفف عن العائلات التي تكافح من أجل البقاء. ولقد أعجبني بعض النشطاء المغاربة إذ يقومون بحملة تضامنية مع أهلنا في فلسطين عنوانها: احرص على أن تكون قفة رمضان خالية من دماء الفلسطينيين” ومما لا شك فيه أن هذه الحملة مرتبطة بفكرة “الاستهلاك الأخلاقي الواعي” أي التأكد من أن مشترياتهم لا تساهم – بشكل مباشر أو غير مباشر – في دعم إسرائيل المتورطة في إبادة جماعية في قطاع غزة. فسلاح المقاطعة الاقتصادية، كما يرون يعتبر أداة سلمية فعالة للضغط الاقتصادي والسياسي، تهدف إلى إضعاف تمويل الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه، وتكبيد الشركات المتواطئة خسائر مالية، كما تعزز الوعي القومي وتدعم المنتجات المحلية. وتساهم المقاطعة في عزل إسرائيل دولياً وتشكيل رأي عام مناهض للانتهاكات. إن ما يقوم به النشطاء المغاربة ليس وليد اليوم، بل هو امتداد لحملات سابقة بدأت مع بداية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حيث انطلقت حملة شعبية مغربية لمقاطعة العلامات التجارية التي أعلنت دعمها لإسرائيل. وتناقل النشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي قائمة تضم المتاجر والمحلات والمطاعم المعنية بالمقاطعة، داعين إلى الاستعاضة عنها بخدمات المتاجر المحلية والمنتجات الوطنية. وهو ما جعل هذه العلامات التجارية تقوم بإغلاق محلاتها ومغادرة الأسواق المغربية.
