بقلم: فيصل دومكسا
مع اقتراب الانتخابات التشريعية لسنة 2026، يطفو إلى السطح سؤال مؤجل منذ أكثر من عقد: لماذا ما تزال الجالية المغربية المقيمة بالخارج خارج المعادلة السياسية الوطنية، رغم وضوح الدستور وتكرار التوجيهات الملكية؟
والأهم من ذلك: لماذا لا يتم اعتماد حلول واقعية، تدريجية، وقابلة للتنفيذ فورًا؟
الدستور لا يميز بين الداخل والخارج
ينص دستور 2011، خاصة في الفصلين 17 و30، على تمتع المغاربة المقيمين بالخارج بكامل حقوق المواطنة، بما فيها حق التصويت والترشيح. هذا المقتضى لا يربط الحق بصدور قانون تنظيمي كشرط وجود، بل كآلية تنظيم.
غير أن القراءة السياسية السائدة حولت هذا الحق إلى وعد مؤجل، في حين أن تجارب سابقة أثبتت أن الإرادة السياسية قادرة على ابتكار حلول انتقالية دون المساس بجوهر القانون، كما وقع مع اللوائح الوطنية للنساء والشباب.
الخطاب الملكي: من الاعتراف إلى التفعيل
جلالة الملك محمد السادس أكد في أكثر من خطاب أن الجالية المغربية بالخارج تشكل جزءًا لا يتجزأ من الأمة المغربية، ودعا إلى تجديد المقاربة المؤسساتية تجاهها.
وفي خطاب 6 نونبر 2024، شدد جلالته على ضرورة إحداث تحول نوعي في تدبير شؤون الجالية وضمان فعالية المؤسسات المكلفة بها، وهو ما يفهم منه أن المرحلة لم تعد تحتمل حلولًا رمزية أو مؤجلة، بل تتطلب إدماجًا فعليًا في دوائر القرار.
من الكوطا الوطنية إلى الكوطا الإقليمية: مقترح عملي
إذا كانت الكوطا الوطنية الخاصة بالجالية تشكل خطوة إيجابية، فإن الرهان الديمقراطي الحقيقي يكمن في إحداث كوطا إقليمية خاصة بالجالية المغربية، مرتبطة بالأقاليم والعمالات داخل التراب الوطني.
كيف ذلك؟
- تخصيص مقعد واحد أو أكثر للجالية في كل إقليم أو عمالة، حسب الكثافة السكانية وأهمية الإقليم.
- إدراج هذا المقعد ضمن اللائحة الإقليمية، على غرار لوائح النساء.
- اعتماد المناصفة التامة بين النساء والرجال داخل لوائح الجالية.
- ترشيح شخصيات من الجالية:
- لها ارتباط فعلي بالإقليم
- استثمار أو امتداد عائلي واجتماعي واضح
- معرفة بإشكالات التنمية المحلية
بهذا الشكل، لا تكون الجالية ممثلة بشكل رمزي فقط، بل مرتبطة فعليًا بالتراب، وبقضايا التنمية المحلية والعدالة المجالية.
حل ممكن دون انتظار قانون تنظيمي
هذا المقترح قابل للتنفيذ فورًا، لأن:
- القانون الانتخابي يسمح بإحداث لوائح خاصة داخل الأقاليم
- وزارة الداخلية تملك سلطة تنظيمية واسعة
- السوابق السياسية موجودة
إذن، الإشكال ليس قانونيًا، بل سياسي وإرادي.
لماذا يُقصى هذا الحل؟
لأن تمثيلية الجالية، خصوصًا على المستوى الإقليمي:
- تُفرز نوابًا أكثر استقلالية
- تكسر منطق الزبونية المحلية
- تُدخل كفاءات ذات تجربة ديمقراطية مقارنة
وهو ما لا يخدم دائمًا منطق التحكم الانتخابي التقليدي.
كلفة الإقصاء: أجيال تفقد الارتباط
إن استمرار إقصاء الجالية سياسيًا أدى إلى:
- تراجع الاستثمار المحلي للجالية
- ضعف الإقبال على السفر نحو المغرب
- تآكل الثقة في المؤسسات
- ابتعاد الجيل الرابع والخامس عن القضايا الوطنية
وهذا خطر استراتيجي لا يقل خطورة عن أي تحدٍ اقتصادي.
2026: فرصة لإعادة ربط المواطنة بالتمثيل
انتخابات 2026 ليست استحقاقًا عاديًا، بل اختبارًا حقيقيًا لمصداقية الخيار الديمقراطي.
فإما:
- إشراك الجالية عبر كوطا وطنية وإقليمية منصفة
أو: - الاستمرار في خطاب الاعتراف دون التفعيل.
فالدولة التي لا تمثل أبناءها في الخارج داخل مؤسساتها، تخاطر بخسارة صوتهم، واستثمارهم، وولائهم على المدى المتوسط والبعيد.

