بقلم :دومكسا فيصل
في قلب مدينة تيزنيت، التي يُفترض أن تكون نموذجًا للتنمية المحلية والحكامة الجيدة، تعيش فئة المياومين وضعًا إنسانيًا واجتماعيًا مأساويًا، يتنافى مع أبسط شروط العيش الكريم، ويطرح علامات استفهام كبرى حول دور الجماعة الترابية في حماية عمالها واحترام القوانين الجاري بها العمل.
بين مشقة العمل والحكرة اليومية
يشتغل المياومون في جماعة تيزنيت في ظروف قاسية، بأعمال شاقة تتطلب جهدًا بدنيًا كبيرًا، وفي غياب شبه تام لوسائل العمل الحديثة. يعتمد هؤلاء العمال على أدوات بدائية “أكل عليها الدهر وشرب”، لا توازي إطلاقًا الميزانيات التي يُفترض أن تتوفر عليها الجماعة.
ورغم هذه التضحيات، فإن المقابل المادي يظل هزيلًا، لا يرقى حتى لتغطية الحاجيات الأساسية، رواتب يمكن وصفها – دون مبالغة – بأنها أقل من الحد الأدنى للكرامة الإنسانية، في خرق سافر لقانون الحد الأدنى للأجور (SMIG) الذي يفترض أن تكون الجماعات أول من يحترمه.
التلاعب في التعويضات وغياب الرقابة
الأخطر من ضعف الأجور، هو ما يتعرض له المياومون من تلاعب في التعويضات، حيث يُجبر بعضهم على التوقيع على وثائق تفيد باستلامهم لمبالغ معينة، بينما الواقع يؤكد أنهم يتقاضون أقل بكثير مما هو مُصرّح به.
كل هذا يتم في ظل غياب شبه كلي للرقابة والمحاسبة، ما يفتح الباب أمام ممارسات لا قانونية تضرب مبدأ الشفافية في الصميم.
المياومون الأشباح: الريع في أبشع صوره
في المقابل، تظهر فئة أخرى تُعرف بين العمال بـ**“المياومين الأشباح”**:
زوجات وأقارب بعض المسؤولين والمنتخبين، وأحيانًا حتى موظفون، يستفيدون من تعويضات يومية دون أن يضعوا أقدامهم يومًا في موقع العمل.
أصبح هذا الوضع وكأنه تعويض عشوائي عن البطالة، يُمنح لمن يُتقن التملق والولاء، بينما العامل الحقيقي الذي يُنهك جسده يوميًا يُقصى ويُهمَّش. في حين الاحصائيات المقربة تصف ان عدد الامالي للعمال المياوين 412شخص في حسن من هم في الميدان لا يتعدى 40شخص .
اين اختفت البقية ؟؟
تمييز، عنصرية، وتهديد لكل من يطالب بحقه
لا تتوقف المعاناة عند هذا الحد، بل تمتد إلى التمييز والعنصرية والتهديد المباشر في حق العمال الذين يجرؤون على المطالبة بحقوقهم.
وآخر مثال على ذلك، محاولة بعض المياومين تأسيس جمعية حقوقية تضامنية، هدفها التعاون فيما بينهم، خصوصًا في حالات المرض، وجمع التبرعات في ظل غياب التغطية الصحية، والتقاعد، والتعويض عن حوادث الشغل.
هذه المبادرة قوبلت بالتضييق بدل التشجيع، في مشهد يعكس غياب الديمقراطية الداخلية، وحرية التعبير، بل وحتى الحق في الإضراب.
معدات مختفية وميزانيات ضائعة
من المفارقات الصادمة، أن بعض الآليات التي تبرعت بها الجالية التيزنيتية تم إخفاؤها وتركها تتآكل داخل المستودعات.
كما أن ميزانية شاحنتين صوّت عليها المجلس الجماعي اختفت، واختفت معها الشاحنات نفسها، في حين يشتغل العمال دون ملابس سلامة لائقة، في فوضى تنظيمية أقرب إلى الاستعباد منها إلى العمل الجماعي المنظم.
تيزنيت وسرعة القرن 18
إذا كان المغرب، بشهادة أعلى سلطة في البلاد، يسير بسرعتين، فإن ما يعيشه مياومو جماعة تيزنيت يعيدنا – للأسف – إلى سرعة القرن الثامن عشر:
لا قانون يُحترم، لا كرامة مصونة، ولا أفق واضح لتحسين الأوضاع.
وما خفي أعظم.
حلول واقعية ومقنعة للناخب التيزنيتي
1. إحصاء شفاف للمياومين
نشر لائحة رسمية بأسماء جميع المياومين، مع تحديد مهامهم وأيام عملهم، ووضع حد نهائي لظاهرة “العمال الأشباح”.
2. احترام الحد الأدنى للأجور
الالتزام الفعلي بقانون SMIG، وربط الأجور بعدد أيام العمل الحقيقية، مع مراقبة مستقلة.
3. مراقبة مالية خارجية
افتحاص دوري لتعويضات المياومين، والميزانيات المخصصة للمعدات والآليات، ونشر النتائج للرأي العام.
4. توفير وسائل العمل وملابس السلامة
استثمار الميزانية المتوفرة في تحديث المعدات، وضمان شروط السلامة المهنية.
5. إدماج تدريجي وحماية اجتماعية
إدماج المياومين تدريجيًا في عقود قانونية، مع الاستفادة من التغطية الصحية والتعويض عن المرض وحوادث الشغل.
6. احترام الحق في التنظيم
تمكين العمال من تأسيس جمعيات أو مكاتب تمثيلية، دون تهديد أو تضييق.
7. ربط المسؤولية بالمحاسبة
جعل تدبير الموارد البشرية معيارًا أساسيًا لمحاسبة المنتخبين في الانتخابات المقبلة.
كلمة أخيرة
الناخب التيزنيتي اليوم لا يطلب المستحيل، بل يطالب فقط بـالعدل، الكرامة، والشفافية.
وكرامة المياومين ليست ملفًا ثانويًا، بل مرآة حقيقية لصدق أي مشروع تنموي.

