
محمد كريم/ الرباط
شكلت الدورة الاستثنائية للمجلس الوطني لحزب الاستقلال محطة سياسية بارزة، جمعت بين تقييم نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، وقراءة موقع الحزب داخل الخريطة السياسية الجديدة، والتداول في خيار المشاركة في الحكومة المقبلة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري.
وفي كلمته أمام أعضاء المجلس الوطني، قدم الأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، قراءة سياسية لنتائج الاستحقاق الانتخابي، مهنئًا المرشحات والمرشحين الذين تمكنوا من الفوز، ومشيدًا بما اعتبره انعكاسًا للأداء الانتخابي للحزب، ولجاذبية عرضه السياسي، ومصداقية خطابه، وكفاءة عدد من النخب التي قدمها للاستحقاقات الانتخابية.
وأكد بركة أن النتائج، بما حملته من مكاسب وتحديات، تستوجب من الحزب استخلاص الدروس والعبر، والعمل على مواصلة تطوير أدائه وتعزيز حضوره وتأثيره في الحياة السياسية الوطنية، مع تقوية العمل التنظيمي والميداني وتجديد آليات التواصل والتعبئة.
أكثر من 751 ألف صوت محلي و65 مقعدًا
وتوقف الأمين العام عند الحصيلة الانتخابية لحزب الاستقلال، مشيرًا إلى حصول الحزب على أكثر من 751 ألف صوت في الدوائر المحلية، إلى جانب أكثر من 753 ألف صوت في الدوائر الجهوية.
وأفرزت النتائج النهائية حصول حزب الاستقلال على 65 مقعدًا برلمانيًا، موزعة بين 52 مقعدًا محليًا و13 مقعدًا جهويًا، ليحتل الحزب المرتبة الثالثة من حيث عدد المقاعد.
واعتبر بركة أن هذه النتائج تؤكد استمرار حضور حزب الاستقلال في المشهد السياسي الوطني، رغم التحولات التي عرفتها الخريطة السياسية والمنافسة القوية التي شهدتها مختلف الدوائر الانتخابية.
كما توقف عند الحضور الانتخابي للحزب في الأقاليم الجنوبية، معتبرًا النتائج التي حققها هناك محطة مهمة في مسار الحزب، بالنظر إلى تصدره في عدد من الدوائر واستمرار حضوره التنظيمي والسياسي في تلك المناطق.
بركة: لا يمكن قراءة النتائج بمعزل عن السياق الانتخابي
وفي قراءته للنتائج، شدد نزار بركة على ضرورة عدم الاكتفاء بالمقارنة الرقمية بين الاستحقاقات الانتخابية المختلفة، موضحًا أن لكل انتخابات خصوصياتها وسياقها السياسي والتنظيمي.
وأشار إلى أن انتخابات 2021 جرت في ظروف خاصة، تزامنت فيها الانتخابات التشريعية مع الانتخابات الجماعية والجهوية، وهو ما كان له تأثير على طبيعة التعبئة والمشاركة.
كما أشار إلى عودة حزب العدالة والتنمية إلى المنافسة الانتخابية، معتبرًا أن ذلك كان له انعكاس على الخريطة الانتخابية وعلى النتائج في عدد من الدوائر التي تشهد تنافسًا بين مختلف الأحزاب.
وأكد أن تراجع عدد المقاعد مقارنة بالاستحقاقات السابقة لا يلغي، من وجهة نظره، استمرار القاعدة الانتخابية للحزب واتساع حضوره الوطني، داعيًا إلى قراءة النتائج بموضوعية واستخلاص الدروس الضرورية.
التعبئة والتنظيم في صلب المراجعة
ولم يغفل بركة الإشارة إلى الحاجة إلى مراجعة عدد من جوانب الأداء التنظيمي، خصوصًا على مستوى التعبئة والاستعداد للاستحقاقات الانتخابية.
وأكد أن المنافسة الانتخابية أصبحت أكثر حدة، وأن الحفاظ على حضور الحزب يتطلب تقوية التنظيم، وتجديد أدوات العمل السياسي، والاقتراب أكثر من المواطنين، والرفع من مستوى أداء النخب المنتخبة.
وشدد على أن النتائج الانتخابية ليست مجرد أرقام، وإنما هي مناسبة لمراجعة المسار واستخلاص ما يلزم من دروس وعبر، بما يمكن الحزب من مواصلة تطوير أدائه وتعزيز حضوره وتأثيره في الحياة السياسية الوطنية.
المشاركة في حكومة المنصوري.. القرار للمؤسسة التقريرية
وبالانتقال إلى سؤال المشاركة الحكومية، حرص نزار بركة على التأكيد أن الأمر لا يتعلق بقرار شخصي للأمين العام، وإنما بخيار سياسي يعود الحسم فيه إلى المؤسسات المختصة داخل حزب الاستقلال، وفي مقدمتها المجلس الوطني.
وجاء هذا الموقف بعد المشاورات التي أجراها بركة مع فاطمة الزهراء المنصوري بشأن تشكيل الحكومة المقبلة، حيث عرضت رئيسة الحكومة المكلفة تصورها للمرحلة المقبلة، ولطبيعة الحكومة وبرنامجها وأسلوب اشتغالها.
وأكد بركة أن عددًا من مضامين العرض الحكومي يتقاطع مع أولويات حزب الاستقلال، خاصة ما يتعلق بتحسين أداء الحكومة، وتقوية الانسجام الحكومي، وتنفيذ الالتزامات، والاستجابة لانتظارات المواطنين، ومحاربة الفساد تحت شعار الحزب «صفر تسامح مع الفساد».
جلسة مغلقة.. وغالبية المداخلات مع المشاركة
وبعد الكلمة التي قدمها الأمين العام، دخل المجلس الوطني في جلسة مغلقة خصصت لمناقشة مختلف القضايا المطروحة أمام الحزب، وفي مقدمتها موقعه في المرحلة السياسية المقبلة.
وشهدت الجلسة مداخلات لعدد من أعضاء المجلس الوطني، حيث اتجه جل التدخلات نحو دعم خيار مشاركة حزب الاستقلال في حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، مع التأكيد على أن المشاركة ينبغي ألا تكون مجرد حضور داخل الأغلبية، وإنما مشاركة سياسية مسؤولة ومبنية على برنامج واضح وأولويات محددة.
كما ركزت المداخلات على ضرورة الحفاظ على قوة القرار الحزبي، وضمان أن تعكس المشاركة الحكومية الوزن السياسي والانتخابي لحزب الاستقلال، وأن تمكنه من المساهمة الفعلية في تدبير الشأن العام وتنفيذ الإصلاحات التي يدافع عنها.
تفويض نزار بركة لمواصلة التفاوض
وفي ختام المداولات، برز اتجاه واضح نحو منح الأمين العام للحزب، نزار بركة، الثقة لمواصلة المشاورات والتفاوض بشأن المشاركة في الحكومة المقبلة.
ويعني هذا التفويض انتقال الحزب إلى مرحلة جديدة من النقاش السياسي، يصبح فيها نزار بركة مسؤولًا عن مواصلة التفاوض باسم الحزب، وبلورة شروط ومضامين المشاركة، في إطار القرارات التي اتخذتها المؤسسات الحزبية.
وبذلك، لم تعد المسألة مرتبطة فقط بسؤال «هل يشارك حزب الاستقلال في الحكومة أم لا؟»، وإنما انتقلت إلى مستوى آخر يتعلق بكيفية المشاركة، وبالبرنامج والالتزامات، وبالموقع الذي سيحتله الحزب داخل الأغلبية الحكومية المقبلة.
الاستقلال أمام مرحلة سياسية جديدة
وتكشف مخرجات الدورة الاستثنائية للمجلس الوطني أن حزب الاستقلال دخل مرحلة سياسية جديدة، عنوانها الأساسي الانتقال من تقييم نتائج الانتخابات إلى تدبير موقع الحزب داخل المشهد الحكومي المقبل.
وبين قراءة النتائج، واستخلاص الدروس، ومراجعة الأداء التنظيمي، ثم فتح باب التفاوض حول المشاركة الحكومية، تبدو مهمة نزار بركة في المرحلة المقبلة مرتبطة بترجمة مخرجات المجلس الوطني إلى تفاوض سياسي قادر على تحديد شكل المشاركة ومضامينها.
وهكذا، خرج حزب الاستقلال من دورة مجلسه الوطني برسالة سياسية واضحة: المشاركة الحكومية أصبحت اتجاهًا بارزًا داخل المؤسسة الحزبية، فيما أُسند إلى الأمين العام نزار بركة تدبير مرحلة التفاوض والمشاورات المقبلة، بما يضمن للحزب حضورًا سياسيًا ينسجم مع موقعه ونتائجه وتطلعات مناضليه.

