
بقلم: الصحافي أمين بوشعيب/إيطاليا

عاد إلى الواجهة مجددًا الجدل حول مشروع منح الجنسية المغربية لأبناء وأحفاد اليهود المغاربة الذين هاجروا خارج البلاد، بعد تداول معطيات عن ملتمس تشريعي أعاد فتح النقاش داخل المغرب وخارجه، قبل أن تتداخل حوله التوضيحات والتراجعات الرسمية. غير أن ما يهم في هذه القضية لم يعد فقط الجانب الإجرائي أو القانوني، بل السياق السياسي العام الذي يضع هذا الملف داخل شبكة معقدة من التحولات الإقليمية والدولية، ويجعل من سؤال الهوية والمواطنة سؤالًا مفتوحًا على أكثر من قراءة. وهنا يبدأ القلق الحقيقي. لقد سبق أن حذرنا، في مقال سابق، من خطورة هذا المسار حين ظهر لأول مرة سنة 2024 في شكل ملتمس تشريعي أثار آنذاك الكثير من علامات الاستفهام، قبل أن يتراجع الحديث عنه فجأة. لكن اليوم يعود الملف مجددًا إلى الواجهة وسط ضجة واسعة داخل المغرب وخارجه، خصوصًا في أوساط مغاربة العالم الذين يتابعون بقلق ما يعتبرونه إعادة هندسة صامتة لمفهوم الانتماء الوطني وفق اعتبارات سياسية وجيوسياسية دقيقة. وبالمناسبة نعيد طرح السؤال من جديد: هل المغاربة راضون على تحويل الملتمس إلى قانون؟ الجواب بكل بساطة: الشعب المغربي يرفض الملتمس جملة وتفصيلا فما بالك أن يصبح قانونا. لو كان هناك إجماع شعبي حقيقي حول هذا المشروع، لما اندلع كل هذا الغضب والنقاش المحتدم على مواقع التواصل وداخل الأوساط السياسية والحقوقية. فالشعب المغربي يرفض رفضا قاطعا هذا الملتمس وترى فيه شكلا من أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني، يمس بالسيادة الوطنية والهوية المغربية. ثم إن هناك سؤالا آخر يُطرح بمرارة هو: كيف تتحرك المؤسسات بسرعة حين يتعلق الأمر بملتمسات تحظى بدعم دوائر نافذة، رغم عدم دستوريتها وأصحابها مجهولو الهوية، بينما تُركن ملتمسات مغاربة العالم سنوات طويلة في الرفوف دون تفاعل جدي رغم طابعها الوطني والدستوري، ورغم أن من تقدّموا بها مغاربة معرفو الهوية. وإذا كان من حق أي طرف داخل المجتمع أن يتقدم بملتمس تشريعي وفق ما يتيحه الدستور والقانون، فإن السؤال الذي يطرحه كثير من المغاربة اليوم يتعلق بالخلفيات الحقيقية التي تقف وراء إعادة إحياء هذا الملف في هذا التوقيت بالذات. فمن يقف فعليًا وراء هذه الحملة؟ وهل يتعلق الأمر بمبادرة مدنية مستقلة فعلًا، أم أن هناك دوائر ضغط سياسية أو اقتصادية أو خارجية تدفع في اتجاه تسريع هذا المسار ضمن ترتيبات إقليمية ودولية أوسع؟ ثم لماذا يُعاد فتح هذا النقاش الحساس في لحظة يعيش فيها المغرب تحديات اجتماعية واقتصادية خانقة، وتوترًا متزايدًا بين الشارع والمؤسسات؟ إن غياب الوضوح والتواصل الصريح هو ما يفتح الباب أمام الشكوك والتأويلات، ويجعل الرأي العام يشعر بأن ملفات مصيرية تُدار بعيدًا عن النقاش الوطني الحقيقي. وللتذكير ففي سنة 2014، تقدمت تنسيقيات وجمعيات من الجالية المغربية المقيمة بأوروبا بملتمس تشريعي يطالب بتمكين مغاربة العالم من المواطنة الكاملة، وعلى رأسها المشاركة السياسية والتمثيلية البرلمانية الحقيقية، انسجامًا مع مقتضيات الدستور المغربي. وقد كان لي شرف المساهمة في صياغة ذلك الملتمس إلى جانب ثلة من الشرفاء والكفاءات الوطنية من أبناء الجالية المغربية بأوروبا، الذين آمنوا بأن مغاربة العالم ليسوا مجرد خزّان للعملة الصعبة، بل قوة وطنية حقيقية يجب أن يكون لها صوت ومكان داخل مؤسسات الوطن. لكن ذلك الملتمس وُوجه بالتجاهل والتسويف لسنوات طويلة، رغم طابعه الدستوري والوطني الواضح، في حين نرى اليوم كيف تتحرك بعض الملفات الحساسة بسرعة لافتة حين ترتبط بحسابات دولية أو ضغوط خارجية أو توازنات إقليمية معقدة. وفي سياق النقاش المحتدم حول ملف اليهود المغاربة الذين هاجروا إلى إسرائيل، ثم بعد مرور ما يناهز ثمانين عاما يريدون الرجوع إلى الوطن عبر بوابة التجنيس، برزت تصريحات قوية للفقيه والعالم المقاصدي المغربي أحمد الريسوني، والتي اعتبر فيها أن اليهود المغاربة الذين تركوا المغرب وهاجروا لإسرائيل واتخذوها وطناً قومياً “خانوا وطنهم الأصلي وانسلخوا منه، وتنكروا لفضله عليهم وإحسانه لهم”. بل واتهمهم بـ “المشاركة في التقتيل والتهجير القسري للشعب الفلسطيني، والاستحواذ على أرضه”، معتبراً إياهم خونة للقضية الفلسطينية والشعب المغربي الداعم لها. فكيف نقبل بتجنيسهم وإعطائهم الفرصة ثانية لخيانة الوطن من الداخل؟ فمن هذا الذي يحوك المؤامرات والدسائس ضد المغرب؟ ونحن نعلم أن هذا الإجراء قد يؤدي إلى تجنيس يهود مغاربة متورطين في جرائم حرب وإبادة ضد الشعب الفلسطيني، مما يمنحهم ملاذاً آمناً. والأدهى والأمرّ أن هذا التوجه يرسخ التطبيع مع إسرائيل، ويسهل تغلغل شخصيات صهيونية داخل النسيج المجتمعي. لذلك حذرت عدة أوساط حقوقية مناهضة للتطبيع من خطورة هذه الملتمس، واصفة إياه بـ”الخطر الداهم” وتزداد المخاوف حين يتزامن هذا الجدل مع ملفات اجتماعية واقتصادية معقدة، ومع تحولات عمرانية وعقارية مثيرة للجدل في عدد من المدن، ما يغذي الإحساس العام بأن هناك إعادة تشكيل تدريجية للواقع دون نقاش مجتمعي كافٍ. إلا أنه لابد من الإشارة إلى أن هذا الجدل لا يمكن فصله عن التحولات الكبرى التي أعقبت اتفاق التطبيع المشؤوم الذي وقعه المغرب مع الكيان الصهيوني، ولا عن الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء. فالكثير من المراقبين يرون أن المغرب دخل منذ سنوات في شبكة تفاهمات إقليمية ودولية معقدة، بعضها اقتصادي، وبعضها أمني، وبعضها مرتبط بإعادة رسم التحالفات في المنطقة. ومن هنا يبرز التخوف من أن تتحول قضايا سيادية داخلية إلى أوراق تفاوض ضمن توازنات دولية أكبر من المغرب نفسه. لذلك نتساءل: هل يجوز ربط قضايا الهوية والجنسية والتحولات المجتمعية بصفقات سياسية ظرفية؟ وهل يمكن أن يتحول الوطن نفسه إلى مساحة لإرضاء التوازنات الدولية؟ إن أخطر ما في هذا الملف ليس فقط مضمون الملتمس، بل الطريقة التي يُدار بها النقاش حوله: غموض، تضارب، تردد، وغياب لنقاش وطني شفاف وصريح. المغاربة لا يخافون من التعدد، فهم أبناء حضارة عريقة عرفت التعايش عبر قرون، لكنهم يرفضون أن تُفرض عليهم تحولات مصيرية دون وضوح أو استشارة شعبية حقيقية. فالوطن ليس صفقة دبلوماسية، والجنسية ليست أداة لإعادة تشكيل التوازنات السياسية، والسيادة لا تُقاس فقط بالاعترافات الدولية، بل أيضًا بمدى احترام إرادة الشعب وحقه في معرفة ما يُطبخ باسمه خلف الأبواب المغلقة. ويبقى السؤال الكبير الذي يزداد إلحاحًا يومًا بعد يوم هو: هل نحن أمام مشروع مصالحة تاريخية حقيقية، أم أمام إعادة هندسة هادئة للمغرب الجديد تحت ضغط التحالفات الدولية؟ وفي النهاية، يبقى التاريخ هو الحكم الفيصل على كل مرحلة. فهو لا ينسى، ولا يُجامل، ولا يُعيد كتابة صفحاته وفق رغبات اللحظة. وإنما يُسجّل بدقة كيف تُدار الأوطان… ومن يختار أن يسمع صوت شعبه، ومن يختار أن يخونه لصالح أجندة خارجية. فلاش: الصدفة هنا تثير كثيرًا من الريبة. ففي الوقت الذي يُثار فيه الحديث عن تجنيس أحفاد اليهود المغاربة، تتواصل في عدة مناطق عمليات هدم وترحيل ونزع ملكيات تحت ذرائع مختلفة، وسط تساؤلات شعبية متزايدة حول مستقبل العقار والهوية العمرانية والاجتماعية للمدن المغربية. ويطرح البعض سؤالًا حساسًا: هل هناك إعادة ترتيب خفية للخريطة العقارية والديمغرافية؟ وهل يُراد فتح المجال أمام عودة منظمة ومدعومة لفئات معينة تملك ارتباطات خارجية نافذة؟ قد لا توجد أجوبة رسمية واضحة، لكن غياب الشفافية يفتح الباب واسعًا أمام التأويلات، خصوصًا في بلد يعيش فيه المواطن أزمة ثقة متفاقمة تجاه المؤسسات.

