بقلم: الدكتور عادل بن حمزة


صدر كتاب «زمن المذلولين» لبرتران بديع سنة 2015 عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بترجمة جان ماجد جبور، ليقدم أحد أكثر القراءات النقدية عمقا لفهم تحولات النظام الدولي المعاصر. لا يتوقف بديع عند توصيف اختلال موازين القوة، بل يذهب أبعد من ذلك، معتبرا أن العلاقات الدولية انتقلت من منطق الهيمنة التقليدية إلى منطق الإذلال المنهجي بوصفه أداة حكم وتنظيم للعالم.
يرى بديع أن السلطة لم تعد تمارس نفوذها فقط عبر السيطرة أو الردع، بل عبر إنتاج الإهانة السياسية والرمزية، من خلال أربعة أنماط رئيسية: الانتقاص، إنكار المساواة، الإقصاء، والوصم. وبهذا المعنى، لم يعد بعض الفاعلين الدوليين يعاملون كأطراف داخل النظام، بل كأعباء يجب تدبيرها أو حالات يجب عزلها. ويبدو هذا “البراديغم” جليا في مقاربات السياسة الخارجية الأمريكية، لا سيما خلال مرحلة دونالد ترامب، حيث طغى خطاب القوة الصريحة والاستخفاف بالآخرين على أي تصور تشاركي للعلاقات الدولية.
في هذا السياق، تكتسب قضية اعتقال ومحاكمة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو دلالة تتجاوز بعدها القضائي أو السياسي المباشر، لتصبح حالة كاشفة لطبيعة النظام الدولي القائم على الإذلال الانتقائية متعدد الأوجه. فبينما كان مادورو يدافع عن نفسه أمام محكمة في نيويورك ضد تهم الاتجار بالمخدرات، كانت نخب الحكم في كراكاس ترتب المشهد الدستوري داخليا، عبر تنصيب ديلسي رودريغيز نائبة الرئيس للقيام بمهام الرئاسة مؤقتا، وفي نفس الوقت كان ممثل فنزويلا في مجلس الأمن يندد باعتقال رئيسه.
هذا التزامن يكشف أن عملية اعتقال الرئيس الفنيزويلي لم تكن مفاجئة، بل جزءا من ترتيبات هدفت إلى حصر الأزمة في شخص مادورو وفتح نافذة لإعادة تموضع فنزويلا داخل المدار الأمريكي.
هذا التحليل يتعزز بما أعلنته نائبة مادورو في حفل التنصيب، عندما اعتبرت أنه “من الأولوية التقدم نحو علاقة دولية متوازنة ومحترمة بين الولايات المتحدة وفنزويلا” موجهة دعوة مباشرة إلى الحكومة الأمريكية: “للعمل معا على أجندة تعاون، موجهة نحو التنمية المشتركة، في إطار الشرعية الدولية وتعزز تعايشا مجتمعيا دائما”. بل إن ترامب أول أمس أكد من خلال المتحدثة باسم البيت الأبيض أن النفط الفنزويلي سيباع إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأن عائداته ستصرف حصريا لتمويل شراء سلع من واشنطن، باعتبار هذه الأخيرة ستكون الشريك التجاري الرئيسي لكركاس وأن قرارات السلطات الفنزويلية ستمليها أمريكا.
وفق نموذج بديع التفسيري، تمثل فينزويلا مثالا لدولة من دول “الهامش الدولي”: تمتلك موارد استراتيجية كبرى، لكنها تفتقر إلى النفوذ داخل المؤسسات الدولية، وتواجه القوى المهيمنة بخطاب سيادي تصادمي. هذا الموقع الهش يجعلها عرضة للإذلال السياسي، حيث تختزل أزمة مركبة في شخص واحد، وتحول من صراع داخلي مع المعارضة إلى ملف عقابي دولي يدار بمنطق الردع لا الحل.
ولا تكمن الإشكالية، كما يؤكد بديع، في مبدأ المحاسبة ذاته، بل في انتقائية العدالة الدولية. فالمنظومة القضائية العالمية تظهر صرامة مفرطة تجاه قادة دول ضعيفة أو معزولة، مقابل تساهل أو صمت مطبق تجاه انتهاكات جسيمة ارتكبها قادة دول كبرى. بهذا المعنى، تقرأ ملاحقة مادورو لا كمسار قانوني لتحقيق العدالة، بل كأداة لإنتاج الإذلال السياسي ونزع الشرعية، بما يخدم إعادة ترتيب النفوذ في أمريكا اللاتينية.
تزداد هذه القراءة وضوحا إذا ما وضعناها ضمن السياق الدولي الأوسع. فبرود ردود الفعل الروسية والصينية على اعتقال مادورو لا يعكس دعما ضمنيا للإجراء، بقدر ما يكشف توافقا غير معلن بين القوى الكبرى على تقاسم مجالات النفوذ الحيوية: إطلاق يد بوتين في أوكرانيا، وشي جين بينغ في تايوان وبحر الصين، مقابل استئثار واشنطن بأمريكا اللاتينية ومناطق أخرى كغرينلاند. إنه نظام دولي جديد، لا مكان فيه للمذلولين، بل فقط لأصحاب القوة القادرين على فرض الاعتراف.
لكن المفارقة التي يشدد عليها بديع هي أن الإذلال لا يؤدي بالضرورة إلى الخضوع. ففي كثير من الحالات، ينتج خطاب تحد ومقاومة، ويغذي التشدد السياسي، ويعمق فقدان الثقة في النظام الدولي ذاته، نستحضر هنا تجربة أمريكا نفسها في كل من العراق بعد اعتقال صدام حسين ومحاكمته وفي أفغانستان بعد اغتيال بن لادن والظواهري.
في حالة مادورو، تتحول الملاحقة إلى أداة تعبئة داخلية خاصة ضمن تياره الأيديولوجي، تقدم باعتبارها استهدافا للسيادة الوطنية، وإن كان الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الداخلي في فنزويلا ينحو في اتجاه حصر وضعية مادورو في جانب المنازعة القانونية بشكل يخرجه من أية معادلة سياسية مقبلة في ظل حاجة ترامب إلى كلفة أقل.
في المحصلة، تكشف قضية مادورو، عند قراءتها في ضوء أطروحة «زمن المذلولين»، أن الأزمة الحقيقية في النظام الدولي المعاصر ليست غياب القواعد، بل غياب الاعتراف المتبادل. فحين يقصى فاعل دولي بالكامل، ويجرد من شرعية التفاوض، تتحول العدالة إلى أداة هيمنة، والسيادة إلى مفهوم هش، والمؤسسات الدولية إلى فضاءات فاقدة للمصداقية، ويستمر النظام الدولي في إنتاج المذلولين… ومعهم، أزمات لا تنتهي.
