
الصحافي فؤاد السعدي

أثار القرار الملكي بإلغاء شعيرة ذبح الأضاحي لهذا العام تفاعلًا واسعًا، إذ لم يكن مجرد توجيه ديني ظرفي، بل رسالة تحمل في طياتها أبعادًا أعمق تكشف حجم الأزمة التي يعيشها المغاربة اليوم. فبين فشل الحكومة في تدبير الملفات الحيوية، خصوصًا القطاع الفلاحي والتوازنات الاقتصادية، وارتفاع الأسعار الذي أجهز على القدرة الشرائية، جاء هذا القرار ليضع الأمور في نصابها، ويؤكد أن حماية المواطن تبقى الأولوية القصوى. وفي ظل عجز الحكومة عن اتخاذ تدابير ناجعة تخفف من وطأة الغلاء، وتراخيها في مواجهة جشع لوبيات الاقتصاد، جاء التدخل الملكي ليؤكد مرة أخرى أن مصلحة الشعب فوق كل اعتبار، وأن الدولة، في أعلى هرمها، تظل يقظة أمام أي تهديد للاستقرار الاجتماعي.
ففي الوقت الذي كان من الواجب على الحكومة أن تتدخل بشكل عاجل لتخفيف الأعباء عن المواطنين في مواجهة الأزمة المعيشية المتفاقمة، اختارت للأسف أن تظل متفرجة على الوضع، غير مكترثة بمصير الأسر التي تواجه صعوبات جمة بسبب الغلاء وارتفاع الأسعار، حتى أنها لم تبادر بحلول عملية وسريعة لتجنب تفاقم الأزمة، وعندما قررت التحرك، كانت الحلول التي قدمتها ترقيعية لا تخدم سوى مصالح تجار الأزمات.
في ظل هذا العجز الحكومي البيّن عن تقديم حلول جادة، جاء القرار الملكي ليشكل بصمة أمل ويعيد ترتيب الأولويات من جديد، ويبعث برسالة واضحة لا لبس فيها وهي أن حماية المواطن تأتي فوق كل اعتبار، ويؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أنه ليس مجرد رد فعل عابر أو إجراء ظرفي، بل خطوة عملية ومؤثرة تجسد المسؤولية والرحمة التي يتحلى بها جلالة الملك اتجاه شعبه عندما تخذله السياسات الحكومية. فالملك هو الحامي لاستقرار البلاد والضامن لكرامة الشعب.
ما يزيد من أهمية القرار الملكي هو أنه جاء بعد موجة من الغضب الشعبي، تجلت بشكل واضح في الضجة التي أحدثها عبد الإله “مول الحوت”، الذي أظهر بجلاء حجم السخط على الغلاء وغياب العدالة في توزيع الثروة. هذه الواقعة كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، عندما أظهرت أن الفئات الهشة وحتى الطبقة المتوسطة أصبحت عاجزة عن تأمين قوتها اليومي، فكيف لها أن تواجه تكاليف العيد؟ هذا الواقع لم يكن ليمر دون أن يصل صداه إلى القصر، فكان القرار الملكي الحكيم بمثابة رد حاسم على تلك المعاناة، ليؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن الملك وحده، وليس الحكومة، هو من يحرص على حماية التوازن الاجتماعي في البلاد.
بإعلانه التكفل بذبح الأضحية عن الأمة، بعث الملك برسالة تحمل أبعادًا دينية وسياسية عميقة، فهو ليس فقط أميرًا للمؤمنين، بل هو أيضًا قائد يدرك معنى التضحية الحقيقية، حين يتطلب الأمر رفع الحرج عن رعاياه، عكس الحكومة التي أظهرت تغولًا غير مسبوق على المواطنين، عبر قرارات لا تأخذ بعين الاعتبار هشاشة الوضع الاقتصادي والاجتماعي. كان من المفترض أن تكون الحكومة هي من تبادر إلى اقتراح حلول واقعية وتقديم الدعم للأسر المحتاجة، لكنها فضلت أن تترك الأمور على حالها، حتى أصبح المواطن المغربي مهددًا في قدرته على العيش الكريم.
جاء القرار الملكي ليحسم الجدل ويكشف زيف محاولات الحكومة لتبرير فشلها، معيدًا ترتيب الأولويات بطريقة واضحة وصريحة، ويظهر أن هناك دولة، وهناك ملك يحرص على استقرارها الاجتماعي. وتبقى الرسالة البليغة التي يجب أن نلتقطها جميعًا، أن جلالة الملك لم ولن يترك المواطنين وحدهم في مواجهة قوى السوق والجشع، ولا القرارات العشوائية. بل ها هو يثبت مرة أخرى أنه الأقدر على فهم نبض الشارع وهموم المواطنين، بينما ظلت الحكومة بعيدة عن واقع الناس، مكتفية بتقديم تبريرات لا تشبع حاجة المواطن. فتدخل القصر الملكي يؤكد مجددًا أن أمير المؤمنين ليس مجرد رمز للدولة، بل هو الضامن الأول لكرامة المغاربة وحقوقهم الأساسية. ملك رحيم، يضع رفاه شعبه فوق كل اعتبار، ويجعل من حماية مصالحهم أولويته القصوى.