

بقلم: الصحافي أمين بوشعيب/ايطاليا
في زمنٍ تختلط فيه المواقف بالمصالح، وتُقاس فيه القيم بميزان الربح والخسارة، يخرج من بيننا مغاربة اختاروا طريقًا آخر، طريق الضمير. ليسوا سياسيين يبحثون عن شعبية، ولا مؤثرين يطاردون “الترند”، بل رجال ونساء حملوا اسم المغرب في قلوبهم، ورفعوه عاليًا بمواقفهم قبل إنجازاتهم.
حين أعلن حكيم زياش، نجم كرة القدم، مواقفه الواضحة والصريحة ضد جرائم إسرائيل في غزة، لم يكن يُراهن على تصفيق الجمهور، بل كان يُعلن انحيازه الإنساني دون مواربة. في عالم كرة القدم، حيث الصمت غالبًا هو القاعدة خوفًا من العقوبات أو خسارة العقود، اختار زياش أن يكسر هذا الصمت. لم يساوم، لم يناور، بل قال ما يجب أن يُقال: “إن الظلم لا يمكن تبريره، وإن دماء الأبرياء ليست وجهة نظر”
لكن زياش ليس وحده. هناك أبطال آخرون، بعيدًا عن الأضواء، يكتبون مواقفهم بعرقهم ودموعهم داخل غرف العمليات وتحت القصف. أطباء مغاربة، مثل الجراح يوسف بوعبد الله، والدكتورة فاطمة الزهراء بيجو، والدكتور عثمان زروال، وغيرهم، الذين لم يكتفوا بإصدار بيانات الشجب، بل حملوا أرواحهم على أكفهم، وذهبوا إلى حيث الألم الحقيقي، غزة الجريحة.
هؤلاء لم يكتفوا بالتنديد من خلف الشاشات، بل واجهوا الموت وهم يحاولون إنقاذ الحياة. تحت القصف، وسط نقص الإمكانيات، وفي ظروف لا إنسانية، وقفوا هناك كخط دفاع أخير عن الكرامة الإنسانية. كل عملية جراحية كانت موقفًا، وكل مريض تم إنقاذه كان صفعة في وجه الصمت الدولي المخزي.
ما قام به هؤلاء ليس عملًا إنسانيًا فحسب، بل هو فعل مقاومة أخلاقية في وجه عالم فقد بوصلته. إنهم يذكروننا بأن الانتماء الحقيقي لا يُقاس بالجواز، بل بالموقف. وأن الوطنية لا تعني الصمت، بل تعني الدفاع عن القيم التي تجعل من الوطن معنى، لا مجرد حدود.
ولا يمكن الحديث عن مغاربة رفعوا رأس الوطن دون التوقف عند نموذج آخر من شجاعة الضمير، تجسد في ابتهال أبو السعد، التي اختارت أن تواجه من داخل مؤسسة عالمية بحجم “مايكروسوفت” ما اعتبرته تواطؤًا مع آلة الحرب الإسرائيلية. في زمنٍ تُكمّم فيه الأفواه داخل كبرى الشركات تحت ضغط المصالح والعقود، خرجت لتقول “لا” بصوت واضح، مدركةً أن الثمن قد يكون مهنيًا وشخصيًا. لكنها، كما غيرها من أصحاب المواقف، اختارت أن تنحاز للإنسان قبل الامتياز، وللحق قبل الراحة. موقفها لم يكن مجرد احتجاج عابر، بل كشف مرة أخرى أن معركة القيم لم تعد محصورة في ساحات القتال، بل امتدت إلى قلب المؤسسات الاقتصادية والتكنولوجية الكبرى. وهنا يبرز مغاربة العالم من جديد، لا كأرقام في سوق الشغل الدولي، بل كضمائر حية ترفض أن تكون جزءًا من صمتٍ مريب أو تواطؤٍ مكلف أخلاقيًا.
ولعل المفارقة المؤلمة أن هؤلاء الأفراد سبقوا بمواقفهم مؤسساتٍ بأكملها. في وقتٍ تلتزم فيه بعض الحكومات الحذر أو الصمت، يخرج أفراد من أبناء هذا الشعب ليقولوا ما عجزت عنه الدبلوماسية، ويجسدوا ما تخلت عنه السياسة.
إن مغاربة العالم، حين يتحررون من قيود الحسابات الضيقة، يتحولون إلى قوة معنوية هائلة. فهم ليسوا مجرد جالية تساهم بالتحويلات المالية، بل هم سفراء للقيم، يحملون صورة المغرب الحقيقي، بلد الكرامة، والنخوة، والإنسانية.وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا يعني أن تكون مغربيًا في زمن المجازر؟ الجواب يكتبه أمثال زياش، وبوعبد الله، وبيجو، وزروال، وابتهال أبو السعد ليس بالحبر، بل بالمواقف.
إن التاريخ لا يرحم المترددين، ولا يذكر الصامتين إلا كأرقام في هامش الخذلان. أما الذين اختاروا أن يقفوا في صف الإنسان، فهؤلاء هم من يصنعون المعنى الحقيقي للأوطان. اليوم، رفع هؤلاء المغاربة رأس بلدهم عاليًا، لا بشعارات جوفاء، بل بمواقف تفضح تواطؤ العالم وتكسر جدار الخوف. وغدًا، حين تُطوى صفحات هذه المرحلة السوداء، سيُسأل الجميع: أين كنتم؟… وسيكون الجواب الوحيد المشرف: كنا حيث يجب أن يكون الإنسان.
فلاش: لعل أكثر ما يثير الغضب والاستغراب، أن زياش الذي رفع صوت الحق عاليًا، لم يُكافأ بما يليق بموقفه، بل وجد نفسه في مواجهة قرارات تُفهم على أنها عقاب مبطن. فبدل تكريم حكيم زياش على شجاعته الأخلاقية، أقدمت الجامعة المغربية لكرة القدم على حرمانه من حمل القميص الوطني، ذاك القميص الذي اختاره بإرادته وفضّله على القميص الهولندي في لحظة كانت كفيلة بأن تخلده في ذاكرة المغاربة. وكأن الرسالة الصادمة التي يُراد تمريرها هي أن من يلتزم الصمت يُكافأ، ومن يرفع صوته ضد الظلم يُقصى. إنها مفارقة مؤلمة تكشف حجم الهوة بين نبض الشارع وقرارات بعض المؤسسات، وتطرح سؤالًا حقيقيًا حول أي قيم نريد أن يمثلها القميص الوطني: قيم الشجاعة والكرامة… أم حسابات الصمت والحياد البارد؟
لكن، وفي مشهدٍ لا يقل دلالة، أثلج صدورنا – نحن مغاربة العالم- خرج إخواننا في المغرب يوم الأحد 19/04/ في مسيرة “يوم الأسير” الكبرى بالرباط، رافعين صور حكيم زياش إلى جانب الأعلام الفلسطينية، في تعبيرٍ واضح عن احتضان شعبي لموقفٍ رفضت بعض الجهات الرسمية الاعتراف به. لم تكن تلك الصور مجرد لافتات عابرة، بل كانت رسالة صريحة: هذا صوتنا، وهذا من يمثلنا. حين ترفع الجماهير صورة لاعب كرة في مسيرة ذات طابع إنساني وسياسي، فهي لا تحتفي بمهارته داخل الملعب، بل بموقفه خارج الخطوط. إنها إعادة تعريف للبطولة، حيث يصبح المعيار ليس عدد الأهداف، بل وضوح الموقف. وهنا تتجلى المفارقة من جديد، بين من ضاق بموقفه صدر المؤسسات، ومن وسّعه وجدان الشعب.

