
بقلم: الصحافي أمين بوشعيب/ إيطاليا

مع انطلاق بطولة كأس الأمم الأفريقية بالمغرب يوم الأحد 21 دجنبر/كانون الأول 2025، والتي ستتواصل إلى غاية 18 يناير/كانون الثاني 2026. ومع صافرة البداية، خفتت كل الأصوات الأخرى، وارتفع صوت الكرة المستديرة وحده، حتى بدا وكأن المغرب كله يمشي على إيقاعها؛ الشوارع، المقاهي، الشاشات، والوجدان العام، في مشهد احتفالي طاغٍ يختزل الوطن في تسعين دقيقة.
لقد أنفق المغرب مليارات الدراهم على تشييد الملاعب وتهيئتها استعدادًا لهذه التظاهرة القارية، في سباق محموم نحو “الجاهزية الرياضية” وصناعة صورة خارجية براقة، بينما القطاعات الحيوية التي تمس الكرامة اليومية للمواطن- الصحة، التعليم، والتنمية البشرية-لا تزال تعاني من الهشاشة، ونقص التجهيز، وضعف الموارد البشرية، وتردي المؤشرات.
لا أحد يجادل في أن كرة القدم شغف جماعيّ، وحق مشروع في الفرح، بل ومتنفس لشعب أثقلته الأزمات. لكن الإشكال لا يكمن في الكرة، بل في تحويلها إلى ستار كثيف يُخفي خلفه اختلالات بنيوية في ترتيب الأولويات. حين تُصرف المليارات على الملاعب، وتُزخرف الواجهات، وتُسرّع الأشغال تحت ضغط الكاميرات الإفريقية والدولية، بينما تظل المدرسة العمومية عاجزة عن أداء أبسط وظائفها، والمستشفى العمومي يئن تحت وطأة الاكتظاظ ونقص التجهيزات والموارد البشرية، فإن السؤال يصبح سياسيًا بامتياز: أي مغرب نريد؟ مغرب الصورة أم مغرب الإنسان؟
لقد أظهر المغرب قدرة تنظيمية لا يمكن إنكارها، لكن هذه القدرة نفسها تفضح المفارقة الصارخة: إذا كانت الدولة قادرة على تعبئة المال والوقت والقرار من أجل كرة القدم، فلماذا يعجز هذا المنطق التعبوي نفسه عن إنقاذ التعليم العمومي من الانهيار، أو الصحة من العطب المزمن، أو الشباب من البطالة والتيه؟ لماذا تتحرك الآلة بكامل طاقتها حين يتعلق الأمر بحدث رياضي عابر، بينما تتثاقل وتتباطأ حين يتعلق الأمر بحقوق دستورية دائمة؟
لسنا ضد الفرح، ولسنا دعاة كآبة وطنية، لكننا ضد أن يُستبدل النقاش العمومي بالاحتفال الدائم، وضد أن تُختزل الوطنية في التشجيع، والمواطنة في التصفيق. فالوطن لا يُبنى بالملاعب وحدها، ولا تُقاس كرامة الشعوب بعدد الكؤوس، بل بجودة التعليم، وعدالة الولوج إلى العلاج، وصدق السياسات العمومية.
سيصفق المغاربة اليوم، وسيهتفون، وربما سيفرحون طويلًا، وهذا حقهم الكامل. لكن السؤال الذي يجب ألا يُنسى، حتى وسط الضجيج: هل نملك الشجاعة لنطالب بمغرب يفرح بالكرة، نعم، لكنه يفرح أكثر بمدرسة عمومية قوية، ومستشفى يحفظ الكرامة، وتنمية لا تحتاج إلى بطولة قارية كي تتحقق؟
وحين تنطفئ الأضواء، وتُطوى الرايات، ويغادر الضيوف، سيبقى المغرب وحيدًا في مواجهة أسئلته المؤجلة. ستنتهي البطولة، لكن الفشل المدرسي لن ينتهي، ولن تُغلق أقسام الطوارئ أبواب الاكتظاظ، ولن تتحول الوعود إلى سياسات بمجرد صافرة النهاية. آنذاك، لن تنفع الأهداف ولا الكؤوس في علاج طفل، أو إنصاف أستاذ، أو إنقاذ شاب من البطالة واليأس.
إن أخطر ما في هذا المشهد ليس صرف المال على الكرة، بل بيع الوهم باسم الفرح، وتطبيع الهروب الجماعي من المحاسبة. فحين يُطلب من المواطن أن يصفق بدل أن يسأل، وأن يهتف بدل أن يحاسب، نكون أمام انحراف خطير في معنى الوطنية نفسها. الوطنية ليست مدرجات ممتلئة، بل مؤسسات محترمة، وخدمات عمومية تليق بالإنسان، ودولة لا تحتاج إلى بطولة قارية لتتذكر واجباتها.
نعم، بعد انتهاء هذه التظاهرة الكروية، وسواء أفاز المغرب بالكأس أم لم يفز بها، سيُطلب من المغاربة العودة إلى “الواقع”. لكن الواقع لم يذهب أصلًا، لأنه لم يُحلّ أصلًا. كان هنا، ولا يزال.. إنه يطلّ من هوامش الصورة الرسمية. واقعٌ يسكن خيام الحوز، حيث لا يزال آلاف المتضررين من زلزال شتنبر يعيشون البرد والحر والوعود المؤجلة، بعد سنتين كاملتين من الكارثة، دون إعادة إعمار حقيقية، ودون كرامة، ودون أجوبة مقنعة. هناك، لا تُسمع صافرات البداية، بل أنين الانتظار، ولا تُرفع الكؤوس، بل تُرفع الأيادي طلبًا لأبسط الحقوق. كان الواقع هنا، في قرى معزولة بلا طرق ولا مستوصفات، حيث تموت النساء في صمت بسبب بعد أقرب مركز صحي، وفي مدارس عمومية تُدرّس الاكتظاظ بدل المعرفة، وتُنتج الهشاشة بدل الفرص. كان في شبابٍ يحمل شواهد جامعية ويقف في طوابير البطالة، وفي أسرٍ تقتطع من لقمة عيشها لتؤدي فواتير علاج خاص، لأن المستشفى العمومي لم يعد خيارًا بل مخاطرة. كان الواقع هنا، في أحياء هامشية تفتقر لأبسط شروط العيش الكريم، وفي مغاربة يواجهون الغلاء بلا حماية اجتماعية فعلية، ويُطلب منهم في المقابل أن يفرحوا، أن ينسوا، وأن يصفقوا بإتقان. وكأن الفرح أصبح واجبًا وطنيًا، بينما المطالبة بالحق تُعامل كتشويش على الاحتفال.
وهنا أيضا، المسؤولية جماعية ومحددة: حكومة اختارت تسريع الملاعب وتأجيل البيوت، وبرلمان صادق على الميزانيات دون أن يربطها بأثر اجتماعي حقيقي، وإدارة ترابية تجيد تنظيم التظاهرات وتفشل في حماية كرامة المواطنين. لا يمكن الحديث عن “نجاح وطني” بينما مواطنون يُتركون لسنتين في البرد والحر، ولا يمكن تسويق “الإنجاز” في بلد يعجز عن إعادة إعمار قرى منكوبة، أو إنقاذ مدرسة عمومية، أو إصلاح مستشفى. والمطلوب ليس مزيدًا من الاحتفال، بل مساءلة سياسية صريحة: من قرر؟ من صرف؟ من راقب؟ ومن فشل ثم بقي في موقعه بلا حساب؟ أما الصمت، بعد اليوم، فليس حيادًا ولا حكمة…
فلاش: الرياضة، من حيث المبدأ، ليست ترفًا، وتنظيم التظاهرات القارية يمكن أن يكون رافعة اقتصادية وسياحية. لكن الإشكال ليس في الاستثمار في الملاعب، بل في غياب التوازن وتحويل المشاريع الرمزية إلى أولوية سياسية على حساب الحقوق الأساسية.
ما جدوى ملاعب بمعايير دولية، إذا كانت المستشفيات العمومية تفتقر إلى أبسط التجهيزات؟ وما قيمة الأضواء الكاشفة في المدرجات، إذا كانت المدارس العمومية تعاني الاكتظاظ، وهشاشة البنية، وتدهور جودة التعلمات؟
المغاربة لا يريدون فقط ملاعب بمواصفات عالمية، بل مدارس عمومية تخرّج العقول لا العطالة، ومعاهد رائدة تُنافس دوليًا لا قاعات مكتظة تقتل الطموح، ومستشفيات بمعايير دولية لا غرف انتظار تحوّلت إلى ممرات للألم والموت البطيء. يريدون أن يفرحوا حين يضعون أبناءهم في مدرسة عمومية دون خوف، وأن يطمئنوا حين يمرضون دون الحاجة إلى “معارف” أو قروض أو سفر اضطراري إلى الخارج. فكُرة القدم لحظة عابرة، أما المدرسة والمستشفى فهما قدر يومي. ومن حق المغاربة أن يفرحوا بالكرة، لكن من حقهم أيضًا – بل من واجب الدولة – أن تُمكّنهم من الفرح بدولة اجتماعية حقيقية، لا دولة احتفالات موسمية تُخفي اختلال الأولويات خلف الأضواء.
