
بقلم: الدكتور عادل بن حمزة

على هامش كأس إفريقيا التي تحتضنها المملكة المغربية والتي تعتبر إلى اليوم أفضل نسخة في تاريخ المسابقة بالنظر إلى حرص المملكة على رفع سقف المعايير المعتمدة سواء من حيث الملاعب أو الفنادق أو البنية التحتية بشكل يتجاوز بكثير المعايير التي تشترطها الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم. تشكل المناسبة أيضا فرصة لكثيرين من أجل اكتشاف بلد يشتغل في صمت ويتطور بثقة في اتجاه مسار الدول الصاعدة، الهدف الذي أعلنه المغرب بعد اعتماد النموذج التنموي الجديد.
كأس إفريقيا تتجاوز كونها مسابقة رياضية إلى ما هو أبعد من ذلك، بل وأساسا كسر النظرة النمطية للقارة، فالمغرب لا يقدم استعراضا في التنظيم فقط، بل يقدم تجربة توضح أن إفريقيا قادرة بما تملك من إمكانيات وطاقات بشرية ومادية أن تكون لها مكانتها التي تستحقها وسط العالم، بوصفها قارة تملك كل الموارد لتكون القارة التي سيبنى عليها المستقبل، القارة القادرة على كسر قيودها الموروثة من ماضي استعماري همجي قاده الغرب “المتحضر”، فالتاريخ لا يمحى لكنه لا يجب أن يبقى قيدا يجر القارة إلى الوراء.
هذا الوعي بالماضي مثله أحسن تمثيل مشجع من الكونغو الديمقراطية يرافق منتخب بلاده في كل مقابلاته في الرباط أو طنجة، إنه مشجع إستثنائي، يتخذ هيئة تمثال وسط الجماهير على شاكلة الزعيم الوطني الكونغولي الراحل باتريس لومومبا، في رسالة لكل من يدمن لحس الذاكرة والتاريخ ويغمض عينيه عن الجرائم التي ارتكبها الأوربيون والغرب بصفة عامة في مستعمراتهم السابقة. تبرز هنا جرائم بلجيكا في الكونغو عندما أخضعت بروكسيل البلاد على عهد الملك ليوبولد الثاني بين عامي 1885 و1908 لنظام استغلال بشع نتج عنه ملايين القتلى والمعطوبين، ذلك أن الجيش البلجيكي سبق بسنوات طويلة بشاعة “داعش” في تقطيع الأطراف والرؤوس وتعليقها وأخذ صور تذكارية معها والإبادة الجماعية للسكان عبر القتل والحرق، إضافة إلى سرقة مقدرات الكونغو خاصة من المطاط والعاج، إضافة إلى إغتيال القادة السياسيين والمقاومين الكنغوليين نظير ما تعرض له الزعيم باتريس لومومبا سنة 1961، كل ذلك حدث والأوربيين لا يملون من الحديث عن التحضر.
قبل ثلاث سنوات تحدث “جوزيف بوريل”
مفوض العلاقات الخارجية الأوربية في بروكسيل قائلا بأن أوربا حديقة وبقية العالم مجرد أدغال وأن على أوربا أن تحتاط من الأدغال. بلاشك لم يكن بوريل يتحدث فقط عن أوربا بمنظور الجغرافية، بل خلفية أبعد من ذلك فهي تشمل كل ما يعود إلى أصول أوربية بالمعنى الحضاري والثقافي وهنا يمكن ضم كل من الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، أستراليا نيوزيلندا إلى حديقته، آما باقي العالم فهي مجرد أدغال، حتى من يظنون أنفسهم متحضرين وحلفاء سواء في آسيا أو إفريقيا، وهذا الأمر فيه استعادة لوهم التفوق من خلال المركزية الأوربية، وبذلك يكون بوريل قد كشف لا إراديا عن جزء خفي من حقيقة الفكر الغربي، أو على الأصح ما حاول كثير من الأوربيين إخفائه على مدى عقود، البعض يعتبر الأمر وجها من وجوه الانتهازية السياسية ونموذجا من نماذج انحراف جزء من النخبة السياسية الأوربية ووقوعها رهينة الحسابات الانتخابية وهو ما جعلها بوعي أو بدونه تسعى إما لمغازلة اليمين المتطرف والتيارات الشعبوية، وإما لاستنساخ خطابه أمام العجز عن تقديم حلول وأجوبة لواقع اجتماعي واقتصادي وثقافي معقد لم تشهده أوربا منذ عقود طويلة.
لم يكن المغرب استثناءا من الإجرام الاستعماري الذي استمر 43 سنة (1912-1956)، فالآلة الإجرامية القادمة من الحديقة الأوربية(…) أوغلت في الدم المغربي، فقبل 1912 كشفت فرنسا عن وجهها عندما قصفت الدارالبيضاء سنة 1907 لمدة يومين متواصلين عبر مدافع بوارج “جاليلي” “فوربين” و”دوشيلا”، وذلك لرفض السكان تدنيس مقبرة سيدي بليوط عبر إنشاء ممر للسكة الحديد بهدف جلب الصخور من منطقة الصخور السوداء لتشييد ميناء في المنطقة، وقد خلف القصف مدينة مدمرة ومئات القتلى والمعطوبين، ولفترة طويلة ظل الدخان يمتزج مع روائح جثث الشهداء. مجازر الفرنسيين في المغرب استمرت ففي نيسان/أبريل 1947 شهدت الدارالبيضاء مجزرة جديدة عقب الدينماية التي أطلقتها وثيقة المطالبة بالاستقلال التي قدمها حزب الاستقلال وشخصيات وطنية للإقامة العامة وممثلي الدول الكبرى، إذ قامت القوات الفرنسية باغتيالات جماعية في كراج علال، مديونة، ابن مسيك ودرب الكبير، وتكررت مجازر الدار البيضاء في أعقاب المظاهرات الحاشدة سنة 1952 احتجاجا على اغتيال المناضل الوطني النقابي التونسي فرحات حشاد، وتجددت الفظاعات الفرنسية في المنطقة الشرقية في أحداث آب/أغسطس 1953 بكل من وجدة وبركان والنواحي، ثم سنة 1955 مجزرة وادي زم بإقليم خريبكة وذلك يوم 19 آب/أغسطس، حيث شهدت المنطقة انتفاضة واسعة احتجاجا على استمرار نفي ملك البلاد محمد الخامس.
المغرب أيضا وبالنظر إلى كونه كان مقسما بين قوى استعمارية مختلفة، شهد واحدة من أبشع الجرائم الاستعمارية التي لازالت آثارها موجودة إلى اليوم بحكم الانتشار الواسع لمرض السرطان، فقد تعرضت منطقة الريف سنة 1924 للإبادة الجماعية من قبل الجيش الاسباني، وذلك عندما ألقيت على التجمعات السكانية الغازات السامة وخاصة غاز الخردل
وذلك قبل عام واحد من توقيع اتفاقية جنيف «لحظر الاستعمال الحربي للغازات الخانقة أو السامة أو غيرها من الغازات والوسائل الحربية البكتريولوجية». هذا الغاز كان ثمرة تعاون بين الإسبان والألمان الذين كانوا يسهرون على برنامج سري للأسلحة الكيماوية، ورغم أن الحكومات الاسبانية حاولت طمس هذه الحقيقة، فإن عسكريين إسبان ممن شاركوا في تلك الحرب القذرة على شمال المغرب، اعترفوا بذلك، من بين هؤلاء نجد
بيدرو توندرا بوينو في سيرته الذاتية التي نشرت عام 1974 تحت عنوان (أنا والحياة)، وإغناسيو هيدالغو دي سيسنيروس في سيرته الذاتية المعنونة ب (تغيير المسار)، والتي يعترف فيها بوضوح أنه قاد شخصيا عددا من تلك الهجمات الكيماوية التي شنها الطيران الإسباني على مناطق واسعة من الريف، ذلك كله كان عقابا جماعيا للريف على إذلال قوات عبد الكريم الخطابي للإسبان في معركة أنوال.
هذه فقط شذرات من “آثار” الرجل الأبيض ساكن الحديقة الأوربية التي يحرسها جوزيف بوريل ومن على شاكلته، ويمكن أن نضيف عليها جرائم أخرى في كل بقاع العالم، إذ أن جرائم الغرب لاسبيل لحصرها لا في التاريخ ولا في الجغرافية، وهي مستمرة إلى اليوم على مستويات مختلفة، خاصة على المستوى الاقتصادي والثقافي لذلك من الصعب الإحاطة بها جميعا أو حصرها.
إن ما يحدث الآن مع روسيا والصين يرجع في جزء منه إلى هذه العقلية الإقصائية والاستعلائية التي أظهرها بوريل والتي تؤمن بمركزية الغرب وفي صلبه أوربا، بل إن أوربا نفسها تعرف فوارق كبيرة داخلها، علما أن الحديقة التي افتخر بها جوزيف بوريل خرجت منها بريطانيا غير آسفة…بل إن بوريل دعا أيضا إلى توسيع الحديقة الأوربية، وهو بذلك يستعيد النزعة الكولونيالية، فجزء مما يحدث اليوم على الساحة الدولية ليس سوى تكرار لما عرفته بداية القرن الماضي من نزاع وصراع بين القوى العظمى على مواقع النفوذ والمواد الأولية، والذي نتجت عنه تفاهمات عبارة عن تقسيم للكعكة الأفريقية والأسيوية. المفارقة اليوم هو أن أوربا/الحديقة تهرول نحو ما أسماه بوريل الأدغال للحصول على الغاز والنفط لتجنب آثار الصقيع…
