بقلم : فيصل دومكسا
يشكل ترحيل عدد من المهاجرين المنحدرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء إلى مدينة تيزنيت محطة جديدة في مسار تدبير ملف الهجرة بالمغرب، وهو مسار اتسم خلال السنوات الأخيرة بتداخل الاعتبارات الأمنية والاجتماعية والحقوقية. غير أن خصوصية تيزنيت كمدينة متوسطة بإمكانيات محدودة تطرح تساؤلات عميقة حول مدى جاهزيتها لاحتضان موجات ترحيل داخلي، وحول الحاجة إلى سياسة عمومية أكثر تماسكاً وعدالة في توزيع الأعباء.
أولاً: سياق الهجرة وتحول موقع المغرب
لم يعد المغرب مجرد بلد عبور نحو أوروبا، بل أصبح أيضاً بلد إقامة مؤقتة أو شبه دائمة لعدد متزايد من المهاجرين، خاصة القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء. وقد أطلقت الدولة منذ سنة 2013 الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء، في خطوة اعتُبرت آنذاك تحولا نوعياً نحو مقاربة أكثر إنسانية.
غير أن التحولات الجيوسياسية، وتشديد الرقابة على الحدود الأوروبية، وتزايد الضغوط المرتبطة بالهجرة غير النظامية، كلها عوامل ساهمت في بروز مقاربات ظرفية، من بينها إعادة انتشار المهاجرين من مدن الشمال نحو مدن داخلية أو جنوبية مثل تيزنيت. وهنا يبرز الإشكال: هل يتم هذا التدبير في إطار رؤية استراتيجية واضحة، أم كرد فعل مرحلي على ضغط ظرفي؟
ثانياً: خصوصية تيزنيت وحدود الإمكانيات
تُعد تيزنيت مدينة ذات طابع تقليدي واقتصاد محلي محدود يعتمد أساساً على التجارة الصغيرة، والصناعة التقليدية، وبعض الأنشطة المرتبطة بالخدمات. وهي لا تتوفر على بنية تحتية اجتماعية واسعة قادرة على استيعاب ضغط سكاني مفاجئ، سواء تعلق الأمر بسوق الشغل، أو السكن، أو الخدمات الصحية.
إن ترحيل مهاجرين إلى مدينة تعاني أصلاً من هشاشة اجتماعية وارتفاع نسب البطالة في صفوف الشباب قد يؤدي إلى توترات اجتماعية غير مرغوبة، ليس بسبب المهاجرين في حد ذاتهم، بل نتيجة غياب التخطيط المسبق وعدم توفير الموارد الضرورية لضمان اندماج سلس.
ثالثاً: بين المقاربة الأمنية والمقاربة الحقوقية
إن تدبير الهجرة من زاوية أمنية صِرفة قد يحقق أهدافاً ظرفية، لكنه لا يعالج جذور الإشكال. فالمهاجرون أشخاص يتمتعون بحقوق إنسانية أساسية، بصرف النظر عن وضعهم الإداري. وعليه، فإن أي عملية ترحيل داخلي ينبغي أن تحترم:
الكرامة الإنسانية.
الحق في الولوج إلى الخدمات الأساسية.
ضمانات قانونية واضحة.
إشراك الفاعلين المحليين في اتخاذ القرار.
المقاربة الحقوقية لا تعني التغاضي عن تحديات التدبير، بل تعني وضع الإنسان في صلب السياسات، مع الأخذ بعين الاعتبار قدرات المجال المستقبِل.
رابعاً: ضرورة سياسة عمومية شاملة ومتوازنة
أمام هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى سياسة عمومية شاملة في مجال الهجرة تقوم على أسس واضحة، من بينها:
1. التخطيط الترابي العادل: توزيع المهاجرين بشكل يراعي قدرات كل جهة، بدل تركيزهم في مدن ضعيفة الإمكانيات.
2. تعبئة الموارد المالية: دعم الجماعات الترابية المستقبِلة بميزانيات إضافية مخصصة للإيواء، والصحة، والدعم الاجتماعي.
3. إشراك المجتمع المدني: الجمعيات المحلية قادرة على لعب دور محوري في الوساطة الاجتماعية وتفادي الاحتقان.
4. إدماج اقتصادي فعلي: خلق برامج تكوين وتشغيل موجهة للمهاجرين بما يقلل من هشاشتهم ويحد من الاحتكاك السلبي مع الساكنة.
5. التواصل المؤسساتي: توضيح خلفيات القرارات للرأي العام المحلي لتفادي الإشاعات والخطابات التحريضية.
خامساً: التوازن بين التدبير المحلي والالتزامات الحقوقية
إن تحقيق التوازن بين متطلبات التدبير المحلي واحترام الالتزامات الحقوقية ليس مهمة سهلة، لكنه ممكن إذا توفرت الإرادة السياسية والرؤية الاستباقية. فالمغرب، بحكم موقعه الجغرافي والتزاماته الدولية، مطالب بتدبير هذا الملف بحساسية عالية.
غير أن تحميل مدن محدودة الموارد مثل تيزنيت أعباء إضافية دون توفير شروط النجاح قد يؤدي إلى نتائج عكسية، سواء على مستوى الاستقرار الاجتماعي أو صورة السياسات العمومية ذاتها.
خاتمة
قضية ترحيل المهاجرين إلى تيزنيت لا ينبغي أن تُختزل في بعدها الظرفي، بل يجب أن تُقرأ كمؤشر على الحاجة الملحة لإعادة تقييم آليات تدبير الهجرة داخلياً. فالمطلوب اليوم ليس فقط نقل الأفراد من مجال إلى آخر، بل بناء سياسة متكاملة تراعي كرامة الإنسان، وتحترم قدرات المجال، وتؤسس لتوازن حقيقي بين التضامن الوطني والعدالة المجالية.
فالهجرة ليست أزمة عابرة، بل واقع بنيوي يتطلب حلولاً بنيوية، قائمة على رؤية استراتيجية واضحة، وشراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع والمجالات الترابية المستقبِلة.
#تيزنيت
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً.
ترحيل مهاجرين جنوب الصحراء إلى تيزنيت:
تزنيت ليست قمامة المغرب
شاركها.
فيسبوك
تويتر
لينكدإن
البريد الإلكتروني
واتساب

