
بقلم : الصحافي أمين بوشعيب / إيطاليا
“قد يغادر المستعمر أرض الوطن، لكن أخطر ما يتركه وراءه هو استعمار العقول. فإذا تحرر القرار، واستقلت الإرادة، وانتصرت المصلحة الوطنية على كل ولاء خارجي، فذلك هو يوم الاستقلال الحقيقي، وما عداه ليس إلا فصلًا مؤجلًا من معركة التحرر”
يوم الخميس 9 تموز/ يوليو 2026 انتهت المباراة التي جمعت بين المنتخب المغربي ونظيره الفرنسي في افتتاح مباريات الدور ربع النهائي من مونديال 2026. وغادر المنتخب المغربي إثر ذلك المنافسة. لكن الجدل الحقيقي لم يبدأ إلا بعد صافرة النهاية. فالهزيمة أمام فرنسا لم تُقرأ عند كثير من المغاربة بوصفها مجرد خسارة رياضية، بل أعادت إلى السطح سؤالًا ظل يلاحق الوعي الوطني منذ الاستقلال: هل تحرر المغرب فعلًا من الإرث الفرنسي، أم أن جزءًا من هذا الإرث ما زال حاضرًا في الاقتصاد والإدارة والثقافة وصناعة القرار؟
بطبيعة الحال، لا يمكن تحميل مباراة كرة قدم أكثر مما تحتمل، ولا يجوز اتخاذ نتيجتها دليلًا على طبيعة العلاقات بين الدول. لكن الأحداث الرمزية كثيرًا ما تفتح الباب لأسئلة أعمق، وهذا ما حدث هذه المرة.
فبعد أكثر من ستة عقود على نهاية نظام الحماية، ما زالت فرنسا تحتفظ بحضور مؤثر في مجالات متعددة داخل المغرب. وتاريخيًا، كانت من أبرز المستثمرين الأجانب، كما ظلت اللغة الفرنسية تحتل موقعًا واسعًا في الإدارة والأعمال والتعليم العالي في عدد من التخصصات، واستمرت روابط سياسية واقتصادية وثقافية عميقة بين البلدين. وهذه حقائق لا تعني بالضرورة وجود “وصاية”، لكنها تفسر لماذا يتكرر النقاش حول حدود النفوذ الفرنسي كلما شهدت العلاقة بين الرباط وباريس توترًا أو اختبارًا.
لقد نشأت داخل المغرب، عبر عقود، نخبة سياسية وإدارية واقتصادية تلقت تكوينها في الفضاء الفرنكوفوني، تدين بولائها التام ل”ماما فرنسا” وهو ما جعل النموذج الفرنسي حاضرًا بقوة في عدد من المؤسسات. غير أن العالم تغير، وتغيرت معه موازين القوة، وأصبحت الدول التي تنوع شراكاتها أكثر قدرة على حماية مصالحها من تلك التي تراهن على شريك واحد.
لقد علمتنا التجارب أن العلاقات الدولية لا تعرف صداقات دائمة، بل مصالح دائمة. وكل دولة، بما فيها فرنسا، تقدم مصالحها الوطنية عندما تتعارض مع مصالح غيرها. لذلك، فإن من الطبيعي أن يبني المغرب سياساته الخارجية والاقتصادية على أساس أولوياته هو، لا على أساس توقعات أو حساسيات أي شريك خارجي.
إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل المغاربة اليوم ليس: هل نريد فرنسا أم لا؟ فهذا سؤال مبسط لا يعكس تعقيد العلاقات الدولية. السؤال الأهم هو: هل نملك من الاستقلال في القرار ما يجعل علاقتنا مع فرنسا، ومع غيرها، علاقة ندية ومتوازنة، أم أننا ما زلنا نحمل في بعض مؤسساتنا وثقافتنا الإدارية آثار مرحلة مضت؟
فالاستقلال الحقيقي لا يقاس بتاريخ إنهاء الحماية فقط، وإنما يقاس بقدرة الدولة على أن تختار بحرية شركاءها، ولغاتها، ونموذجها التنموي، وأولوياتها الاقتصادية، دون أن تكون أسيرة إرث تاريخي أو نفوذ متراكم.
إن المغرب، بما يمتلكه من موقع جغرافي، وعمق إفريقي، وشراكات دولية متنامية، قادر على أن يبني علاقات متوازنة مع الجميع: مع فرنسا، ومع إسبانيا، ومع الولايات المتحدة، ومع الصين، ومع العالم العربي وإفريقيا، من دون أن تتحول أي علاقة إلى مصدر تبعية أو احتكار.
إن المطلوب اليوم ليس قطع الجسور مع باريس، ولا إنكار ما يجمع الشعبين من علاقات إنسانية وثقافية، بل إعادة صياغة العلاقة على قاعدة واضحة: شراكة بين دولتين مستقلتين، لا علاقة يشوبها شعور بالتفوق من طرف، أو الارتهان من الطرف الآخر.
لقد تغير العالم، وسقطت إمبراطوريات كانت تظن أن نفوذها أبدي. أما الدول التي نجحت، فهي تلك التي امتلكت الجرأة على مراجعة خياراتها، وتحرير قرارها، والانفتاح على الجميع دون أن تخضع لأحد.
وإذا كانت معركة التحرير قد انتهت رسميًا بإعلان استقلال المغرب، فإن معركة استكمال الاستقلال لم تنته بعد. فمنذ مفاوضات إكس ليبان سنة 1955، ظل الجدل قائمًا حول طبيعة التسوية التي أفضت إلى إنهاء نظام الحماية. فقد رأى عدد من رجال المقاومة وجيش التحرير أن تلك المفاوضات لم تحقق القطيعة الكاملة مع النفوذ الفرنسي، بل فتحت الباب أمام استمرار هذا النفوذ عبر نخب ومؤسسات حافظت على امتيازاتها بعد الاستقلال.
وفي هذا السياق، نقلت بعض الصحف المغربية أن المفكر المغربي الراحل المهدي المنجرة وصف مفاوضات إكس ليبان بأنها “خيانة” تعبيرًا عن رفضه لما اعتبره استقلالًا غير مكتمل، يُبقي القرار الوطني خاضعًا لتوازنات ومصالح خارجية. وسواء اتفق المرء مع هذا التوصيف أو اختلف معه، فإن المؤكد أن النقاش حول إكس ليبان لم يُغلق يومًا، وما زال حاضرًا في كتابات عدد من المؤرخين والباحثين والسياسيين الذين يرون أن الاستقلال السياسي لا يكتمل إلا باستقلال اقتصادي وثقافي ومؤسساتي، يجعل القرار الوطني نابعًا من الإرادة الوطنية وحدها.
ويبقى السؤال: “ماذا حدث في إكس ليبان؟ مطروحا إلى أن تفرج فرنسا عن الوثائق السرية للمعاهدة. وعند ذلك ستبدو الحقيقة ساطعة. وهل فعلا تعرض المغرب للخيانة كما قال الدكتور المهدي المنجرة.
لكن قبل ذلك، لا بد أن نتساءل بحق: لماذا لم يُنجز المغرب، بعد أكثر من سبعين عامًا، مشروع الاستقلال الذي استشهد من أجله رجال المقاومة وجيش التحرير؟ فإذا كان الاستقلال قد استعاد الأرض، فإن التحدي الأكبر يبقى هو استكمال تحرير القرار، وبناء دولة لا تخضع إلا لمصلحة شعبها، ولا ترتهن لإرادة أي قوة، مهما كان تاريخها أو حجم نفوذها. فهل يستطيع المغرب أن يخرج من جلباب فرنسا؟ وهل تملك نخبته السياسية والإدارية الشجاعة الكافية لاستكمال مشروع الاستقلال في معناه الاستراتيجي، حتى تكون العلاقة مع فرنسا علاقة شراكة متوازنة، لا أسيرة ذاكرة الحماية ولا رهينة حسابات الماضي؟
فلاش : منذ صافرة النهاية، لم تنحصر ردود فعل المغاربة في التعبير عن خيبة الأمل بسبب الإقصاء أمام المنتخب الفرنسي، بل امتدت إلى طرح سلسلة من الأسئلة التي ما تزال تتردد في المجالس ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. فقد بدا لكثيرين أن المنتخب الذي أبهر العالم بروحه القتالية وانضباطه التكتيكي في المباريات السابقة، ظهر أمام فرنسا بصورة مغايرة، الأمر الذي دفع بعض المتابعين إلى التساؤل: أين اختفت تلك الروح التي صنعت إنجازات “أسود الأطلس”؟
وزاد من اتساع هذا الجدل تزامن عدد من الأحداث التي رآها البعض لافتة. فمن جهة، أُعلن، عشية المباراة، عن استعداد رئيس الحكومة الفرنسية للقيام بزيارة رسمية إلى المغرب على رأس وفد حكومي يضم نحو اثني عشر وزيرًا ووزيرة يمثلون قطاعات وازنة، في أول زيارة له إلى الرباط منذ توليه منصبه. ومن جهة أخرى، برز إلى الواجهة قرار صادر عن محكمة الاستئناف في فرساي يقضي بإحالة الدولي المغربي أشرف حكيمي إلى المحاكمة في قضية تعود وقائعها إلى سنة 2023، وهي القضية التي ظل اللاعب ينفي الاتهامات المرتبطة بها منذ بدايتها.
ولا يعني تزامن هذه الوقائع وجود علاقة بينها أو دلالة محددة، غير أن تقاطعها الزمني مع واحدة من أكثر المباريات حساسية في تاريخ المنتخب المغربي فتح الباب أمام تأويلات وتساؤلات واسعة في الرأي العام. ويرى بعض المتابعين أن اللافت في هذه القضية ليس مضمون الإجراءات القضائية وحده، بل توقيتها، وما قد يترتب على ذلك من ضغوط إعلامية ونفسية على لاعب يُعد أحد أبرز أعمدة المنتخب في لحظة رياضية استثنائية. وبين الوقائع المؤكدة والتأويلات المتداولة، يبقى المؤكد أن هذا التزامن الاستثنائي غذّى نقاشًا واسعًا لدى المغاربة، الذين ما زالوا يبحثون عن تفسير لما حدث داخل الملعب وخارجه.

