
بقلم: الصحافي أمين بوشعيب/إيطاليا
ليس أخطر ما يهدد الأوطان أن ترتفع الأسعار أو تتعثر المشاريع أو تتوالى الأزمات الاقتصادية، فكل ذلك يمكن إصلاحه بالإرادة السياسية وبحسن التدبير. أما الخطر الحقيقي، فهو أن يفقد المواطن ثقته في السياسة نفسها، وأن يقتنع بأن صناديق الاقتراع لم تعد قادرة على إحداث الفرق، وأن الوعود الانتخابية ليست سوى شعارات موسمية تنتهي صلاحيتها بمجرد إعلان النتائج.
هذا هو الإحساس الذي عاد ليتجدد لدى كثير من المغاربة عقب إسقاط مجلس المستشارين، خلال الأسبوع الماضي، مقترحي القانونين المتعلقين بتسقيف أسعار المحروقات واسترجاع أصول شركة “سامير” إلى الدولة. فالحدث في ظاهره مجرد تصويت برلماني، لكنه في عمقه يعكس أزمة سياسية وأخلاقية تتجاوز حدود هذين المقترحين، وتمتد إلى جوهر العلاقة بين المواطن والأحزاب والمؤسسات المنتخبة.
لقد كان أكثر ما أثار الاستغراب ليس نتيجة التصويت في حد ذاتها، وإنما التحول اللافت في مواقف بعض الأحزاب التي كانت، بالأمس القريب، تعتبر المقترحين ضرورة وطنية عندما كانت في المعارضة، ثم أصبحت اليوم من أشد الرافضين لهما وهي ضمن الأغلبية. لم تتغير معاناة المغاربة، ولم تنخفض أسعار المحروقات، ولم تختف الحاجة إلى تعزيز الأمن الطاقي للمملكة، لكن الذي تغير هو الموقع السياسي، وكأن المبادئ أصبحت تتبدل بتبدل المقاعد، لا بتبدل الوقائع.
وهنا يبرز السؤال الذي يؤرق الرأي العام: هل أصبحت البرامج الانتخابية مجرد أدوات للوصول إلى السلطة، أم أنها تعاقد سياسي وأخلاقي مع المواطنين؟ وإذا كان الحزب يستطيع أن يقول اليوم نقيض ما قاله بالأمس، فما الذي يبقى من الثقة التي تُعد أساس كل ممارسة ديمقراطية؟
إن مقترح تسقيف أسعار المحروقات لم يكن، في نظر مؤيديه، سوى محاولة لإعادة شيء من التوازن إلى سوق شهد منذ تحرير الأسعار نقاشًا واسعًا حول أثره في القدرة الشرائية للمغاربة. أما مقترح استرجاع أصول “سامير” إلى الدولة، فقد ارتبط، في نظر المدافعين عنه، بفكرة استعادة جزء من السيادة الطاقية للمغرب، ورفع المخزون الاستراتيجي، والمحافظة على الخبرات الصناعية، واسترجاع أموال عمومية كبيرة ما زالت مرتبطة بملف الشركة. قد يختلف الفاعلون حول الوسائل، لكن من المشروع أن يتساءل المواطن عن أسباب تغير المواقف تجاه هذه الأهداف عندما تتغير موازين السلطة.
وما حدث تحت قبة البرلمان لا يمكن عزله عن ظاهرة أوسع، وهي اتساع الفجوة بين الخطاب والممارسة. فمنذ سنوات، يسمع المغاربة حديثًا متكررًا عن ربط المسؤولية بالمحاسبة، ومحاربة الاحتكار، والدفاع عن القدرة الشرائية، وتعزيز العدالة الاجتماعية. لكنهم، في المقابل، يرون مواقف سياسية تتبدل بسرعة، وتحالفات تُبنى وتُفك وفق منطق المصلحة الحزبية، وهو ما يجعل جزءًا من الرأي العام يشعر بأن السياسة فقدت ثباتها، وأن المبادئ أصبحت قابلة لإعادة التشكيل كلما تغيرت مواقع الفاعلين.
ولعل هذا أحد المفاتيح الأساسية لفهم ظاهرة العزوف الانتخابي التي يعرفها المغرب منذ سنوات. فالعزوف لا يمكن اختزاله في اللامبالاة أو ضعف الوعي، بل قد يكون، لدى شريحة من المواطنين، تعبيرًا عن أزمة ثقة عميقة في جدوى المشاركة وفي قدرة المؤسسات على ترجمة الوعود إلى سياسات ملموسة. وهذه الظاهرة تستحق دراسة جادة، لأنها لا تمس نسبة المشاركة فحسب، بل تمس العلاقة بين الدولة والمجتمع ومستقبل التمثيل السياسي.
ومن جهة أخرى، أظهرت تجربة المقاطعة الاقتصادية التي عرفها المغرب في السنوات الماضية أن أشكال الاحتجاج المدني السلمي أصبحت جزءًا من النقاش العمومي. فقد رأى كثيرون في تلك التجربة مثالًا على قدرة الفعل الجماعي المنظم على التأثير في السلوك الاقتصادي وإيصال رسائل قوية إلى الفاعلين المعنيين، بينما اعتبر آخرون أن آثارها كانت محدودة أو ظرفية. وبغض النظر عن اختلاف التقييم، فقد كشفت تلك التجربة عن رغبة قطاعات من المجتمع في البحث عن وسائل للتأثير خارج القنوات التقليدية، وهو ما يعكس حجم الأسئلة المطروحة حول فعالية أدوات المشاركة والتمثيل.
ومن موقعنا كمغاربة العالم، لا نتابع هذه التطورات من باب الفرجة، وإنما من باب الانتماء. فالوطن الذي نحمله في قلوبنا لا يحتاج إلى مزيد من الاستقطاب، بقدر ما يحتاج إلى مؤسسات قوية، وأحزاب تحترم تعاقدها مع المواطنين، ونقاش عمومي يعيد الاعتبار للمصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.
إن الديمقراطية لا تضعف حين تختلف الأحزاب، بل تضعف عندما يصبح التناقض بين الأقوال والأفعال هو القاعدة، وعندما يشعر المواطن بأن صوته لا يغيّر شيئًا، وأن البرامج الانتخابية لا تصمد أمام اختبار السلطة. فالثقة لا تُصنع بالشعارات، وإنما تُبنى بالوفاء، والوضوح، والثبات على المبادئ، والقدرة على محاسبة الذات قبل مطالبة الآخرين بالمحاسبة.
ومع اقتراب كل استحقاق انتخابي، تتجدد الوعود وتتكرر الخطابات، لكن يبقى السؤال الذي لا يمكن القفز عليه: كيف يمكن استعادة الثقة التي تآكلت؟ هل يكون ذلك عبر إصلاح الحياة الحزبية وتجديد نخبها؟ أم عبر تعزيز الشفافية والمساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة بصورة أكثر فاعلية؟ أم عبر فتح قنوات أوسع لمشاركة المواطنين، داخل المغرب وخارجه، في صناعة القرار العمومي؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست مسؤولية حزب بعينه ولا حكومة بعينها، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة. لأن مستقبل المغرب لا يُبنى بالانتصار في معركة انتخابية عابرة، وإنما ببناء جسور الثقة بين المواطن والمؤسسات. وحين تستعيد السياسة صدقيتها، لن يكون المغاربة في حاجة إلى من يقنعهم بالمشاركة، لأن الثقة وحدها ستكون أقوى حملة انتخابية يمكن أن تعرفها أي ديمقراطية.
فلاش: في نهاية المطاف، لا يبقى في ذاكرة الشعوب عدد المقاعد التي حصل عليها هذا الحزب أو ذاك، ولا أسماء الحكومات التي تعاقبت على السلطة، وإنما تبقى المواقف التي انتصرت للوطن عندما تعارضت المصالح، والكلمات التي صدقتها الأفعال.
إن المغرب يستحق حياة سياسية تُعيد إلى السياسة معناها النبيل، وإلى البرلمان رسالته الدستورية، وإلى المواطن ثقته في أن صوته ليس مجرد رقم يُضاف إلى صندوق الاقتراع، بل أمانة تُترجم إلى قرارات تنحاز للمصلحة العامة.
واليوم، لم يعد السؤال الذي يشغل المغاربة هو: من ربح هذا التصويت ومن خسره؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن إعادة الاعتبار للسياسة حتى يستعيد المواطن ثقته في مؤسسات يفترض أنها وُجدت للدفاع عن مصالحه؟ إن استعادة هذه الثقة لن تتحقق بالشعارات، ولا بحملات التواصل، ولا بإعادة تدوير الخطابات ذاتها، وإنما تبدأ يوم تصبح المبادئ أقوى من الحسابات، والمصلحة الوطنية أسمى من الولاءات الظرفية، والوفاء بالوعود التزامًا لا مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة.
أما المغرب، فهو أكبر من الأحزاب، وأبقى من الحكومات، وأسمى من كل الحسابات الضيقة. ومن أحب هذا الوطن، فليجعل من صدق الموقف أول أشكال الوفاء له.

