
بقلم : علي بحسي /المغرب
قراءة مقارنة في الخطاب السياسي بين المغرب وإسبانيا
في المشهد السياسي المغربي والإسباني، تبرز أوجه تشابه تستحق النقاش بين الأسلوب السياسي الذي يعتمده عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية المغربي، والخطاب الذي يقدمه سانتياغو أباسكال، رئيس حزب فوكس الإسباني. فعلى الرغم من الاختلاف الجوهري بين المرجعية الإسلامية للأول والمرجعية القومية اليمينية للثاني، فإن المقارنة بينهما ممكنة من زاوية محددة: كيفية توظيف الخطاب الهجومي والشعارات التعبوية في المنافسة الانتخابية.
أولاً: مهاجمة الخصوم بدل تقديم البدائل
من أبرز أوجه التشابه التي يمكن مناقشتها اعتماد خطاب سياسي يضع الخصوم في قلب المعركة الانتخابية. فبدلاً من أن ينصب النقاش باستمرار على البرامج الاقتصادية والاجتماعية، وإحداث فرص الشغل، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وتقديم حلول ملموسة لمشكلات المواطنين، يحتل الصراع مع الأحزاب المنافسة والشخصيات السياسية مساحة واسعة من الخطاب العام.
في الحالة المغربية، اشتهر عبد الإله بنكيران بأسلوبه الخطابي المباشر، وبمواجهاته السياسية مع خصومه، فضلاً عن سجالاته داخل حزب العدالة والتنمية نفسه. ومن الأمثلة التي أثارت النقاش علاقته بسلفه على رأس الحكومة، سعد الدين العثماني، في سياق التنافس الداخلي وإعادة ترتيب القيادة الحزبية.
أما في إسبانيا، فيعتمد سانتياغو أباسكال خطاباً حاداً تجاه الحكومة الإسبانية والأحزاب المنافسة، ويركز على قضايا الهجرة والهوية الوطنية والسيادة والسياسات الخارجية. ويثير خطابه بشأن المغرب والجالية المغربية نقاشاً حول الحدود الفاصلة بين النقد السياسي المشروع والخطاب الذي قد يعزز الصور النمطية تجاه المهاجرين.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه في الحالتين هو: إلى أي حد تتحول مهاجمة الخصوم إلى وسيلة لحشد الناخبين، على حساب عرض بدائل سياسية قابلة للتنفيذ؟
ثانياً: الشعبوية وتعبئة المشاعر الانتخابية
تقوم الشعبوية، في أحد أشكالها، على تقديم الصراع السياسي باعتباره مواجهة بين شعب يُفترض أنه يمثل الإرادة الحقيقية للمواطنين، ونخبة سياسية تُحمَّل مسؤولية الأزمات والإخفاقات.
ومن هذه الزاوية، يمكن مقارنة أسلوب بنكيران، الذي يوظف المرجعية الإسلامية والخطاب العاطفي والتواصل المباشر مع الجمهور، بأسلوب أباسكال، الذي يرتكز على الهوية الوطنية والخطاب القومي وانتقاد النخب والمؤسسات السياسية.
غير أن اختلاف المرجعيات يظل أساسياً: فبنكيران يتحرك ضمن تقليد سياسي ذي مرجعية إسلامية، بينما يستند أباسكال إلى قومية إسبانية محافظة. لذلك لا يتعلق التشابه بتطابق المشروعين، بل بإمكانية استخدام أدوات خطابية متقاربة لحشد الأنصار واستقطاب الناخبين.
ثالثاً: فلسطين والمغرب والهجرة في معركة الشعارات
في المغرب، تشكل القضية الفلسطينية وموقف الأحزاب من التطبيع مع إسرائيل موضوعين مؤثرين في النقاش السياسي. وقد يستثمر حزب العدالة والتنمية رصيده المرتبط بالمرجعية الإسلامية ومواقفه المعلنة من القضية الفلسطينية في تعبئة قاعدته الانتخابية.
لكن الموقف من فلسطين أو التطبيع لا يكفي وحده للحكم على وجود برنامج سياسي متكامل أو غيابه؛ فالمعيار الحقيقي هو مدى ارتباط المواقف الخارجية بسياسات داخلية واضحة وقابلة للمحاسبة.
وفي إسبانيا، تحظى مواقف فوكس من الهجرة والمغرب والعلاقات مع الحكومة الإسبانية باهتمام سياسي وإعلامي. وعندما تصبح الجالية المغربية موضوعاً متكرراً في الخطاب الانتخابي، يبرز سؤال أساسي: هل تُناقش قضايا الهجرة والتعايش والعلاقات الثنائية على أساس معطيات وحلول عملية، أم تتحول إلى أدوات لاستثارة المخاوف واستقطاب الأصوات؟
رابعاً: أين هي البرامج البديلة؟
جوهر النقد السياسي الموجه إلى هذا النوع من الخطاب لا ينبغي أن يكون مجرد الاختلاف الأيديولوجي مع أصحابه، بل المطالبة بإجابات واضحة عن القضايا التي تهم المواطنين.
فالمواطن المغربي يحتاج إلى برنامج يوضح كيف ستُخلق فرص الشغل، وكيف ستتحسن القدرة الشرائية، وكيف سيجري إصلاح الصحة والتعليم، وما الإجراءات التي ستُتخذ لمحاربة الفساد وتعزيز العدالة الاجتماعية.
والمواطن الإسباني يحتاج بدوره إلى حلول قابلة للقياس في مجالات السكن والتشغيل والهجرة والأمن والخدمات العامة، مع بيان تكلفتها المالية وآليات تنفيذها.
ومن حق الناخب أن يسأل الحزبين، كما يسأل بقية الأحزاب: ما الذي ستفعلونه تحديداً؟ وما الذي يميز برنامجكم عن برامج منافسيكم؟ وكيف يمكن قياس نجاحكم بعد تولي المسؤولية؟
خامساً: منطق التعبئة الانتخابية أم منطق الحكم؟
هناك فرق جوهري بين القدرة على إقناع الجمهور في التجمعات الانتخابية والقدرة على إدارة الحكومة وتحقيق النتائج. فقد ينجح الخطاب الحاد في استقطاب الانتباه، وقد ينجح في تعبئة أنصار الحزب، لكنه لا يشكل بحد ذاته دليلاً على امتلاك رؤية اقتصادية أو اجتماعية متكاملة.
كما أن مهاجمة الخصوم ليست في حد ذاتها دليلاً على الشعبوية؛ إذ يمكن أن تكون جزءاً مشروعاً من الرقابة السياسية. إنما تظهر المشكلة عندما تصبح الاتهامات والشعارات بديلاً عن الأرقام والالتزامات والبرامج القابلة للمحاسبة.
الخلاصة: اختلاف المرجعيات وتشابه محتمل في الأدوات
لا يتطابق عبد الإله بنكيران وسانتياغو أباسكال في المرجعية الفكرية أو المشروع السياسي، لكن يمكن إخضاع أسلوبيهما لاختبار واحد: هل يخدم الخطاب الهجومي نقاشاً سياسياً جاداً حول البدائل، أم يحل محل هذا النقاش؟
إن الديمقراطية لا تحتاج إلى أحزاب تتقن مهاجمة بعضها بعضاً فحسب، بل إلى أحزاب تقدم برامج واضحة، وتحدد أولوياتها، وتشرح مصادر تمويل وعودها، وتقبل محاسبتها على النتائج.
فالناخب لا يحتاج إلى من يرفع صوته أكثر، بل إلى من يقدم له حلاً أفضل. والشعارات، مهما كانت جاذبيتها، لا تعوض غياب الرؤية ولا تصنع وحدها تنمية أو عدالة اجتماعية.

