
بقلم: الدكتور عادل بن حمزة

نشهد ميلاد “الفيودالية التقنية”، كما وصفها الاقتصادي “يانيس فاروفاكيس” في كتابه “العبيد الجدد للاقتصاد”؛ إذ مع موت الرأسمالية التقليدية، يتشكل براديغم جديد للاقتصاد والدولة، حيث تحول الإنترنت من فضاء حر إلى إقطاع تقني يسيطر عليه أصحاب المليارات.
عندما هبطت طائرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في بكين، الأسبوع الماضي، في أول زيارة لرئيس أميركي إلى الصين منذ 2017، حين زارها ترامب نفسه في ولايته الأولى، لم يكن الوفد المرافق يتكون من سياسيين تقليديين، بل ضم قرابة 18 من كبار الرؤساء التنفيذيين لأبرز الشركات الأميركية في مجالات التكنولوجيا والمالية، من الذين وصفتهم وسائل الإعلام بـ”رجال التريليونات”؛ فثروتهم الإجمالية تقدّر بنحو 27 تريليون دولار، أي أكثر من الناتج المحلي الخام للصين.
شمل الوفد شخصيات بارزة مثل جينسن هوانغ (إنفيديا)، إيلون ماسك (تسلا وسبايس إكس)، تيم كوك (أبل)، لاري فينك (بلاك روك)، بالإضافة إلى قادة بوينغ، سيتي غروب، سيسكو، غولدمان ساكس، فيزا، ماستركارد، كوالكوم، ميتا وغيرها. الهدف الواضح: تذليل العقبات أمام الشركات الأميركية في السوق الصينية.
مفاهيم جديدة للدولة والسيادة
هذه التركيبة، التي صنعها ترامب بنفسه، تعكس مرحلة جديدة في التعاطي مع مفاهيم الدولة والسيادة. لم نعد أمام سياسي غير تقليديّ فحسب، بل أمام اندماج عميق بين السياسة والمال والتكنولوجيا. يتجلى ذلك في ما قام به ماسك من محاولة تفكيك للحكومة الفيدرالية في بداية الولاية الثانية لترامب، وفق رؤية قائمة على “الحد الأدنى من الدولة”، ليكون دور الدولة الرئيسيّ هو خدمة الشركات الكبرى في وادي السيليكون.
في ولايته الأولى، وصل ترامب مدعوماً بسردية شعبوية قوية ضد “مؤسسة الحكم” والنخب الأوليغارشية في واشنطن. قال في حفل تنصيبه: “لزمن طويل جداً، قطفت مجموعة صغيرة في عاصمة أمتنا ثمار الحكم في حين تحمّل الشعب الثمن. ازدهرت واشنطن لكن الشعب لم يشاركها ثروتها. ازدهر السياسيون لكن الوظائف انعدمت والمصانع أغلقت. لقد حمت مؤسسة الحكم نفسها لكنها لم تحم المواطنين ولا بلادنا”.
سردية ترامب حول مؤسسة الحكم والنخب الأوليغارشية جذبت كثيرين ممن كانوا بحاجة إلى زعيم قادر على مواجهة ماكينة صنع نخب على المقاس في الحزبين التقليديين، ساعده ذلك على التحوّل إلى أيقونة لتيار شعبويّ واسع كان بحاجة إلى زعيم عادي يشبههم، وتضاعف ذلك بعد محاولة اغتياله إبان الحملة الانتخابية.
يتوافق هذا مع تحليل أوربيناتي (Nadia Urbinati) للشعبوية في كتابها المهمّ “أنا الشعب… كيف حوّلت الشعبوية مسار الديموقراطية”، إذ قاربت الشعبوية ليس بوصفها مجرد عرض لإعياء بسبب “مؤسسة الحكم” والأحزاب الراسخة، بل كذلك بوصفها دعوة مشروعة للسلطة من الناس العاديين الذين أخضعوا لسنوات للدخل المتدني والنفوذ السياسي.
تحالف ترامب ووادي السيليكون
في ولايته الأولى، اصطدم ترامب مع قادة وادي السيليكون (حظر تويتر لحسابه، تحريض فايسبوك عليه، رفضه للعملات المشفّرة). أما اليوم، فيحيط نفسه بقادة التكنولوجيا: ماسك، سام ألتمان، جيف بيزوس، مارك زوكربيرغ وبيل غيتس. يصف بعض المراقبين هذا التحالف بـ”البروليغارشية” (broligarchie)، حكم “الإخوة” الأغنياء البيض من وادي السيليكون، كما كتبت مارتين ديلفو في “ليبراسيون”.
“ميديا بارت” الفرنسية كانت قد أشارت إلى تحول أعمق في بنية النظام القائم في واشنطن، فلم تعد الرأسمالية المالية التقليدية (وول ستريت) هي المهيمنة، بل بلوتوقراطية يقودها مليارديرات مستقلّون يسعون للسيطرة المباشرة على الدولة. ويرى ميشيل غولدبرغ في مقال رأي على “الواشنطن بوست” أن أسياد التكنولوجيا، رغم ليبراليتهم السابقة، يرحّبون بالنظام الجديد بعد استيائهم من تنظيم بايدن للذكاء الاصطناعي والتشفير.
الخلاصة أننا نشهد ميلاد “الفيودالية التقنية”، وفق ما وصفها الاقتصادي “يانيس فاروفاكيس” في كتابه “العبيد الجدد للاقتصاد”، إذ مع موت الرأسمالية التقليدية، يتشكّل براديغم جديد للاقتصاد والدولة، حيث تحوّل شبكة الإنترنت من فضاء حرّ إلى إقطاع تقنيّ يسيطر عليه أصحاب المليارات.
هذا الهرم الجديد للسلطة، المدعوم بالخوارزميات والذكاء الاصطناعي والعملات المشفّرة، يطرح تحدياً وجودياً لمفهوم الديموقراطية التمثيلية والسيادة الوطنية.

