
بقلم : الصحافي أمين بوشعيب/إيطاليا
لم يعد السؤال في المغرب اليوم: هل تنتشر التفاهة؟ بل من يرعاها؟ ومن يمنحها الشرعية ويضعها في الواجهة؟ لأن ما نعيشه لم يعد مجرد انزلاق ثقافي عابر، بل أصبح أقرب إلى سياسة غير معلنة تعيد ترتيب سلم القيم، حيث يُدفع بالسطحي إلى القمة، ويُزاح العميق إلى الهامش. أحدث تجليات هذا التحول الصّادم ما شهده معرض الكتاب 2026، الذي يُفترض فيه أن يكون عُرسًا للفكر ومنصة للمعرفة، فإذا به يتحول – في لحظات رمزية فارقة – إلى مسرح لتتويج “نجوم” لا علاقة لهم بالإنتاج العلمي أو الثقافي الرصين. أن يتحول فكاهي إلى “بطل” دورة من دورات معرض يُفترض أنه يحتفي بالكتاب، فذلك ليس مجرد خطأ في البرمجة، بل رسالة مشفرة تقول بوضوح: لم يعد الكتاب هو المركز، بل الفرجة. وهنا يحق لنا أن نسأل دون مواربة، هل المغرب يعاني فعلاً من ندرة في الباحثين والمفكرين والأكاديميين؟
الجواب واضح لكل من يتابع. المغرب يزخر بأسماء أكاديمية لامعة، داخل الوطن وخارجه، تشتغل في صمت وتحقق إنجازات محترمة في مجالات العلوم الإنسانية والتقنية والطبية. لكن المشكلة ليست في الغياب، بل في الإقصاء. هناك عقول تُهمَّش لأنها لا تصرخ، ولا تثير الجدل الرخيص، ولا تُنتج محتوى سريع الاستهلاك. غير أن الخلل لا يقف عند حدود التظاهرات الثقافية، بل يمتد إلى وسائل الإعلام الرسمية التي يفترض فيها أن تكون رافعة للوعي العام. بدل أن تقوم بدورها التنويري، نجد جزءًا منها يكرّس نفس منطق التسطيح، عبر برامج تُفرغ النقاش من عمقه، وتستبدل القضايا الجوهرية بمواضيع سطحية تُقدَّم في قالب ترفيهي مفرط. يُستضاف من يُجيد الإثارة لا من يمتلك الفكرة، وتُصنع “الترندات” بدل أن تُصنع الأسئلة الحقيقية. وهكذا يتحول الإعلام من سلطة رابعة تراقب وتوجه، إلى منصة لإعادة إنتاج الرداءة بشكل يومي. أما في قطاع التعليم، فالوضع أكثر خطورة، لأن الأمر يتعلق بتشكيل العقول لا بتوجيه الرأي فقط. حين يتراجع دور المدرسة في ترسيخ التفكير النقدي، ويتم اختزال النجاح في الحفظ والامتحان، فإننا نكون بصدد إنتاج أجيال مهيأة لاستهلاك التفاهة لا لمقاومتها. الأخطر من ذلك، هو ضعف ربط التلميذ بالكتاب خارج المقرر، وغياب بيئة مدرسية تشجع على النقاش والبحث. والنتيجة إذا، هي متعلم يحمل شهادة، لكنه يفتقد أدوات الفهم العميق. ولا يختلف الحال كثيرًا في دور الثقافة والمراكز الثقافية، التي كان يفترض أن تكون حصونًا للمعرفة ومنابر للإبداع الجادّ. في كثير من الأحيان، تتحول هذه الفضاءات إلى قاعات شبه مهجورة، أو إلى منصات لأنشطة مناسباتية تفتقر للرؤية والاستمرارية. تغيب البرمجة الفكرية الجادة، ويغيب معها الجمهور، في حلقة مفرغة تُبرَّر فيها الرداءة بضعف الإقبال، ويُكرَّس ضعف الإقبال بسبب الرداءة. المفارقة المؤلمة أن هذا التهميش يتزامن مع صعود نموذج آخر يُقدَّم للشباب على أنه المثال، نموذج “المشهور” بأي ثمن. وهنا تتقاطع الثقافة مع الرياضة، حيث تحولت كرة القدم من مجال للتنافس الرياضي إلى مصنع للرموز الاجتماعية. لا أحد ينكر أن لاعبي كرة القدم المغاربة حققوا إنجازات رفعت رأس البلد، لكن الإشكال يبدأ حين يصبح اللاعب – لا العالم ولا المفكر – هو المرجع الوحيد للنجاح في أعين الأجيال الصاعدة. الشباب اليوم لا يُسأل: ماذا قرأت؟ بل، كم عدد متابعيك؟ ولا يُقاس النجاح بما أضفته للمعرفة، بل بما تحصده من “لايكات”. هذا التحول ليس بريئًا. إنه يعكس خللًا عميقًا في منظومة التوجيه الرمزي داخل المجتمع. حين تغيب القدوة الفكرية من الإعلام، وتضعف داخل المدرسة، وتختفي في الفضاءات الثقافية، ويتم تعويضها بوجوه خفيفة الظل لكنها خفيفة الأثر، فإننا لا ننتج فقط جيلاً يستهين بالمعرفة، بل نؤسس لفراغ خطير في الوعي. المشكلة ليست في الفكاهة بحد ذاتها، ولا في كرة القدم، بل في اختلال الميزان. أن يُحتفى بالمفكر كما يُحتفى باللاعب، أن يُمنح الباحث نفس الضوء الذي يُمنح للفنان، أن يصبح الإعلام منصة للنقاش الجاد لا مجرد مسرح للفرجة، وأن تستعيد المدرسة ودور الثقافة دورهما الطبيع، فهذا هو التوازن الذي يبدو أننا فقدناه. من موقعنا كمغاربة العالم، نرى المفارقة بوضوح أكبر: في دول أخرى، تُصنع المكانة الاجتماعية عبر المعرفة والإبداع العلمي، بينما في المغرب، تُختزل في الشهرة السريعة. هناك تُكرَّم العقول، وهنا تُستثمر الوجوه. السؤال الذي يجب أن يقلق الجميع اليوم ليس من حضر معرض الكتاب، بل، أي نموذج نُقدّمه لأبنائنا؟ هل نريد جيلاً يحلم بأن يكون باحثًا يضيف للإنسانية، أم مجرد وجه عابر على منصات التواصل؟ وفي الخلاصة، لا يمكن تعليق كل شيء على “زمن التفاهة” وكأنه قدر نازل من السماء. الحقيقة الأكثر إزعاجًا أن جزءًا مهمًا من النخبة المغربية تخلّى عن دوره الطبيعي كضمير نقدي للمجتمع، واختار طريقًا أكثر راحة، هي سبيل القرب من السلطة بدل مساءلتها، والاستفادة من الامتيازات بدل الدفاع عن المعنى. حين تتحول النخبة إلى وسيط للمصالح بدل أن تكون حارسًا للقيم، فهي لا تكتفي بالصمت، بل تساهم – بقصد أو بدونه – في إعادة إنتاج الرداءة التي تدّعي رفضها. لقد فشلت هذه النخبة في أن تكون بوصلة فكرية تُوجّه المجتمع وسط الضجيج، لأنها آثرت السلامة على الصدق، والحضور الشكلي على التأثير الحقيقي. والنتيجة أمامنا، هي الفراغ في التأطير، والتضخم في الأصوات السطحية التي ملأت المساحات التي تُركت شاغرة. فلا غرابة أن تتقدّم التفاهة حين ينسحب من يفترض أنهم خط الدفاع الأول عن الوعي. فلاش: هنا لا ننسى الإشارة إلى ما يُصلح عليه بالذكاء الاصطناعي” الذي لأصبح يُستخدَم كأداة ممنهجة لنشر التفاهة، وتضخيم المحتوى السطحي على حساب المحتوى الجاد، سواء في المغرب أو في دول كثيرة. فالذكاء الاصطناعي بطبيعته التجارية يدفع نحو ما يجلب التفاعل السريع، كالإثارة، والفضائح، والجدل، والمقاطع القصيرة، والوجوه التافهة المثيرة للانتباه. وهنا يظهر الخطر الحقيقي، حين تلتقي مصالح السلطة أحيانًا مع مصالح اقتصاد المنصات، يصبح المجتمع غارقًا في الترفيه الدائم والاستهلاك السريع، بينما تتراجع النقاشات المرتبطة بالعدالة الاجتماعية، التعليم، الفساد، الاقتصاد، والحريات. في الحالة المغربية، يمكن القول إن هناك تساهلًا أو حتى استفادة غير مباشرة من هذا المناخ الرقمي الذي يُنتج مواطنًا منشغلًا بالتفاهات اليومية أكثر من انشغاله بالأسئلة الكبرى. فبدل أن تتحول التكنولوجيا إلى وسيلة لنشر المعرفة، والارتقاء بالوعي، وربط الشباب بالعلم والإبداع، نجد أن المحتوى التافه هو الأكثر ترويجًا وانتشارًا، بينما يُترك المحتوى الثقافي والفكري في الهامش دون دعم حقيقي.
الأخطر من ذلك أن الذكاء الاصطناعي اليوم قادر على صناعة “نجوم” في أيام قليلة، وتوجيه الرأي العام عبر التحكم فيما يظهر وما يختفي داخل الفضاء الرقمي. ومع ضعف التربية الإعلامية والنقدية، يصبح جزء من المجتمع سهل التأثر بما تفرضه الخوارزميات من نماذج وقيم.
لذلك فالمشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي كأداة بحد ذاته، بل في كيفية توظيفه، ومن يملك سلطة توجيهه، ولصالح أي مشروع مجتمعي يُستخدم: هل يُستخدم لبناء إنسان واعٍ ومتعلم؟ أم لتحويل المواطن إلى مجرد مستهلك دائم للفرجة والنسيان؟

